وما تقدم من شرح الدعاء انما هو يتناول القسم الاول من تمجيد الله وبيان عظمته وفيما يلي تتمته؛

 

 

شرح دعاء الافتتاح  3

 

💠(الحَمدُ للهِ مَالِكِ المُلكِ).

فالـمُلك كله لله سبحانه اذ هو المالك الحقيقي للوجود كله، وكل مالك ما سواه هو انما هو مالك نسبي، ومُلكه موقت يزول عما قريب عنه ويعود الـمُلك لله وحده كما اوضح بكتابه بقوله:[كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ]، فهذه الحقيقة ينبغي ان لا تغيب عن قلب المؤمن في تعامله مع الله والرضا بمقاديره وتدبيره.

💠 (مُجرِي الفُلـكِ).

الفُلك هي السفن أو السفينة التي تجـري على الماء في الأنهار والبحار وهو بعض من عظمة الله وتدبيره لأمور خلقه كما في قوله تعالى: [أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ، وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ]، وان كان الفلك هو اشمل بلحاظ الكواكب والمجرات، والمراد هو التأمل في حركة هذه الفلك وقوانينها الثابتة كيف تتم ومن الذي وضعها وأرساها بلطفه وعنايته.

💠(مُسَـخِّرِ الـرِّيَاحِ).

فالمتأمل في حركة الرياح وجريانها يجد انها تتحرك بالإرادة الالهية ووفق قوانينه ونظامه من دون أي مؤثر آخر سواه، فلا يستطيع احد تغيير قوانينها وحرفها عن مسارها ومجراها، فكل ما وصل اليه الانسان في علمه المتطور الحديث هو ان يعرف بعض الاحداث المستقبلية لما سيحدث من الانواء الجوية اما ان يغير في مسارها وقوانينها فهو عاجز عن ذلك، لان الارض وما فيها هي بعض من خلق الله الذي يفعل فيها ما يشاء ولا يفعل ما يشاء غيره.

💠(فَالِـقِ الإِصبَاحِ).

الفلق هو الشق والمراد من فالق الاصباح هو الشاق لعمود الصباح من ظلمة الليل فمن يتأمل في هذه المعجزة التي تحدث باستمرار، يجد قدرة الخالق الذي أوجد حركة الأفلاك ودورانها ليتولد منها الليل والنهار بصورة منتظمة والذي جعل لكل منهما دور في حياة الانسان اشار اليه في كتابه المجيد كقوله[وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا]، وفي قوله كذلك[وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا].

💠(دَيَّـانِ الدِّينِ رَبِّ العَالَمِينَ)

الديان هو المحاسب والمجازي على الاعمال والمراد به ان الله سبحانه هو الذي وضع قوانين الدين أو المنهج والقانون الذي ينسجم فيه الإنسان مع نفسه ومع مخلوقات الله جميعاً ومن دونه يعيش الإنسان حياة الاضطراب والتوتر والتيه والضياع والذي توجزه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾، وان الله سيحاسب الانسان على ما فعله في دنياه يوم القيامة .

💠(الحَمدُ للهِ عَلَى حِلمِهِ بَعدَ عِلمِه، وَالحَمدُ للهِ عَلَى عَفوِهِ بَعدَ قُدرَتِهِ، وَالحَمدُ للهِ عَلَى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ وَهُوَ القَادِرٌ عَلَى مَا يُرِيدُ).

من عظمة الله جل جلاله انه رحيم حليم بخلقه فالأناة هي الترفق والحلم وعدم الغضب السـريع فلا يعجل لهم العقوبة رغم استحقاقهم لذلك، وهو ما قاله في كتابه:[وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ].

💠(الَّذِي بَعُدَ فَلَا يُرَى، وَقَرُبَ فَشَهِدَ النَّجوَى، تَـبَـارَكَ وَتَعَالَى).

أي الذي بعد عن إدراك الـحواس فلا يمكن مشاهدته أو لمسه أو معرفة ذاته لأنه فوق قدرة المخلوقين وإدراكهم وهو الذي حدّدهم وقيّدهم بقيود الخلقة التي أعطاهم إيّاها، فالله جل جلاله لا يمكن رؤيته فهو بعيد عن قدرة الخلق في رؤيته والوصول الى كنه ذاته الا انه قريب منهم غير ملتصق بهم يراهم ويسمعهم ويعلم ما في قلوبهم من النوايا والافكار فهو يسمع النجوى وهو حديث السّر بين اثنين أو أكثر فالله لا يخفى عليه شيء من الأسرار﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾وتلك بعض صفات الله جل جلاله والتي ينبغي لعباده معرفتها ليتوصلوا الى طاعته وقربه.

💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي لَـيـسَ لَهُ مُنَازِعٌ يُعَادِلُهُ، وَلَا شَبِيهٌ يُشَاكِلُهُ).

أي ليس له مساوٍ له في القدرة لكي ينافسه وينازعه في مُلكه او في امره وارادته فمن يكون له عديل او مكافئ، فان هذا يستوجب الاختلاف بينهما كما في قوله تعالى [لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ]، فلا يوجد لله جل جلاله شبيه في قدرته وقوته وصفاته الربوبية الاخرى

💠(وَلَا ظَهِيرٌ يُعَاضِدُهُ)

الظهير هو النصير او المساعد وحاشى لله سبحانه ان يكون له نصير يسانده ويساعده لضعف فيه أو احتياج منه لغيره فمن كان محتاجا لغيره كان مخلوقا ولا يكون خالقا تنتهي اليه الاسباب كلها.


وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com