وما تقدم من شرح الدعاء انما هو يتناول القسم الاول من تمجيد الله وبيان عظمته وفيما يلي تتمته :

 

شرح دعاء الافتتاح    2   


💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبِيراً).

اي ان الله سبحانه لم يكن له ولي أو معين يحتاج إليه في خلقه وفي تدبير شؤونهم، فالحاجة نقص وذلّة، والله عزيز بذاته لا يحتاج إلى عون من أحد كما في قوله تعالى: [اللهُ الصَّمَدُ {اي الذي لا يحتاج الى احد مع حاجة كل احد اليه}، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ]، فلا يوجد لله سبحانه مثيل او بديل او شريك.

💠(الحَمدُ للهِ بِجَمِيعِ مَحَامِدِهِ كُلِّهَا، عَلَى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّهَا)

فمحامد الله لا تحصى لأن نعمه لا تحصـى ففي كل لحظة لله نعم متجددة على عباده من سلامة العقل والعافية والمعافاة من مضلات الفتن والأمن والسعة والرزق وما إلى ذلك من النعم الكثيرة التي يديم بها الإنسان حياته ووجوده ولولاها لما استطاع العيش في الدنيا.

💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي لَا مُضَادَّ لَهُ فِي مُلكِهِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَمرِهِ).

المضاد هو المخالف والمباين الذي يكون بموقع الضدية للآخر في ارادته وفعله، فيعاكسه او يخالفه، وحاشا لله ان يكون له ضدّ في الخلق كما تجلّت بذلك جميع آيات خلقه وافعاله.

💠(الحَمدُ للهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلقِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي عَظَمَتِهِ).

فالله جل جلاله ليس له شبيه ولا مثيل ولا يرتقي العقل إلى إدراك مدى عظمته، فكيف يستطيع إدراك ذاته المقدسة؟ فمن يعجز عن وصف بعض خلقه كالملائكة فهو اعجز عن وصف الله ورؤيته، ولذا فقد وصف سبحانه ذاته بأكمل قول في كتابه فقال: [لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ].

💠(الحَمدُ للهِ الفَاشِي فِي الخَلقِ أَمرُه وَحَمدُهُ).

الفاشي اي المنتشر بمعنى الظاهر تدبيره للأمور وفضله على العباد في كل شيء، فأينما تنظر الى الدنيا وما فيها وما حولها تجد اثار الله التي تدل على وجوده وتظهر ان كل شيء قد خلق بعلم وحكمة وان دوامها مرتبط بإرادته وتدبيره.

💠(الظَّاهِرِ بِالكَرَمِ مَجدُهُ).

فكـل عطاء لله هو فضـل ابتدائي منه من دون استحقاق للمخلوق بذلك، وهـو عطاء يتميز بالكثرة والجودة، والفضل المتجددّ بلا انقطاع، كما في قوله: [ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَىٰ بِاللهِ عَلِيمًا].

💠(البَاسِطِ بِالجُودِ يَدَهُ، الَّذِي لَا تَنقُصُ خَزَائِنُهُ، وَلَا يَزِيـدُهُ كَثرَةُ العَـطَاءِ إِلَّا جُوداً وكَـرَماً، إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الوَهَّابُ).

فخزائن الله كماء البحر كلما أخذت منه شيئاً حلّ محله ماء آخر فهو الخالق بإرادته لكل شيء، وهو القائل: [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ].

💠(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ قَلِيلاً مِنْ كَثِيرٍ مَعَ حَاجَةٍ بِي إِلَيهِ عَظِيمَةٍ).

بمعنى أن ما يتضمنه الدعاء من مسائل سترد فيما بعد هي بعض من الحاجات الكثيرة التي يحتاجها الداعي والتي لا يقضيها غير الله تبارك وتعالى، فجميع حاجات الإنسان لا تتيسر ولا تقضى من دون إرادة الله ولطفه، [وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ].

💠(وَغِنَاكَ عَنهُ قَدِيمٌ)

فالله هو الغني بذاته، وهو المنعم والرازق، والواهب والمتفضّل، والقدير والقويّ، والمنّان بكلّ شيء، ابتداءً من نعمة الحياة لإيصال الانسان الى الجنة إلى تدبيره الأسباب لدوام الحياة واستمرارها لكلّ المخلوقات بلا استثناء، [يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ]

💠(وَهُوَ عِندِي كَثِيرٌ، وَهُوَ عَلَيكَ سَهلٌ يَسِيرٌ).

فكل ما كان بتصور الانسان ان تحقيقه صعب انما هو على الله سهل يسير كما في قوله في سورة مريم: [قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا؟ قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ "هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ" وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا]، فكل شيء يسير على الله [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ.

💠(اللَّهُمَّ إِنَّ عَفوَكَ عَنْ ذَنبِي، وَتَجَاوُزَكَ عَنْ خَطِيئَتِي).

فالعفو عن الذنب بعد ارتكابه، والمسامحة والاعراض عن المعاجلة بالعقوبة هو بعض من رحمة الله بعبده حتى كأن العاصي لم يعص ربه بل هو مطيع له يستحق اللطف والاحسان منه.

💠(وَصَفحَكَ عَنْ ظُلمِي، وَسَترَكَ عَلَى قَبِيحِ عَمَلِي، وَحِلمَكَ عَنْ كَثِيرِ جُرمِي، عِندَمَا كَانَ مِنْ خَطَإي وَعَمدِي).

وفي ذلك بيان لرحمة الله وفضله، فالصفح هو العفو والمسامحة وغفران الإساءة، اضافة الى الستر على الذنوب امام الاخرين وعدم المعاجلة للمذنب بالعقوبة فجميع ذلك انما هو بعض من لطف الله ورحمته بعبده، فإن من حق الله أن يأخذ الإنسان بالعقوبة عند أول ذنب وعصيان لأنه قد عصـى جبار السماوات والأرض ولكن الله يعفو ويستر ويحلم فلا يُعجِّل العقوبة ليرجع العبد المذنب إليه فيستغفره ويتوب اليه.

💠(أَطمَعَنِي فِي أَنْ أَسأَلَكَ مَا لَا أَستَوجِبُهُ مِنكَ).

فهذا العفو والمسامحة والفضل والرحمة من الله هي التي تدفع الإنسان لسؤال ربّه ودعائه رغم ظلمه لنفسه، وإلّا لما كان هناك من ماء وجه لسؤال الله من فضله ورزقه بعد عصيانه وارتكاب ما يسخطه.

💠(الَّذِي رَزَقتَنِي مِنْ رَحمَتِكَ، وَأَرَيتَنِي مِنْ قُدرَتِكَ، وَعَرَّفتَنِي مِنْ إِجَابَتِكَ).

اي بعد الذي رزقتني من فضلك وعطائك الدائم واجابتك للدعاء، والمراد أن رحمة الله في عفوه تُطمع العبد بدعائه لربه لأنه بدلاً من أن يأخذه بالعذاب شمله بالرحمة والعفو والمغفرة.

💠(فَصِرتُ أَدعُوكَ آمِناً، وَأَسأَلُكَ مُستَأنِساً، لَا خَائِفاً وَلَا وَجِلاً، مُدِلّا علَيكَ فِيمَا قَصَدتُ فِيهِ إِلَيك).

فبدلا من الخوف من نزول العقوبة صار العبد يدعو ربه مستأنسا بدعائه بل ويتدلل عليه فيما يطلبه ويريده منه! فأين تجد مثل هذا الربّ الرحيم الغفور الودود؟

💠(فَإِنْ أَبطَأَ عَنِّي عَتَبتُ بِجَهلِي عَلَيكَ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَبطَأَ عَنِّي، هُوَ خَيرٌ لِي لِعِلمِكَ بِعَاقِبَةِ الأُمُورِ).

وهو مصداق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّـرَّ استِعْجَالَـهُمْ بِالخَيرِ لَقُضِـيَ إِلَيهِمْ أَجَلُهُمْ﴾، إذ ان بعض الدعاء لو استجيب لداعيه لكان فيه هلاكه أو هلاك دينه، فقد يدعو الإنسان بالغنى فيكون المال سبباً لطغيانه وارتكابه المعاصي، أو يدعو بولد ثم يكون هذا الولد مصدراً لعذاب وشقاء الوالدين، وهكذا في غير ذلك من الدعوات التي لا يقضيها الله لعبده، الا ان من فضل الله ورحمته ان يستبدل الدعاء الذي لا يقضى بعطاء آخر مكافئ له في الدنيا أو يعوضه عن ذلك الدعاء في الآخرة حيث الحاجة أعظم هناك.

💠(فَلَمْ أَرَ مَولىً كَرِيماً أَصبَرَ عَلَى عَبدٍ لَئِيمٍ، مِنكَ عَلَيَّ يَا رَبِّ)

فما اعظم عفو الله وفضله ورحمته على عبده الجاحد والمتمرد عليه حيث يشمله بعفوه وكرمه رغم عصيانه وإساءته.

💠(إِنَّكَ تَدعُونِي فَأُوَلِّي عَنكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فأَتَبَغَّضُ إِلَيكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلَا أَقبَلُ مِنكَ، كَأَنَّ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ).

فالله يدعو عبده إلى قربه ومودته والى الاستفادة من فرص الرحمة عبر عبادته وطاعته ليرزقه الجنّة والخلود فيها، ولكنّ العبد يعرض عن ذلك متباعداً عن دعوة ربّه وكرمه ولطفه وكأنه هو صاحب الفضل على ربه وليس العكس!!

💠(فلَـمْ يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الـرَّحمَةِ لِي وَالإِحسَانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ، فَارحَمْ عَبدَكَ الـجَاهِلَ، وَجُدْ عَلَيهِ بِـفَضلِ إِحسَانِكَ، إِنَّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ).

فرغم كل هذا التباعد والجحود ودوام الاثم والمعصية من العبد فان رحمة الله وفضله لا تنقطع عن الانسان وفي ذلك عبرة لمن يريد ان يتخلق بأخلاق الله ويتأدب بلطفه وعفوه.

 

وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com