دعاء الإفتتاح
 

(وهو من أروع الأدعية التي توضّح دور الإمام عند الظهور ودور شيعته عند الغيبة وقد نسب الى الامام المهدي ... في الاقبال ص٥٨ ومصباح المتهجد ص٥٧٧)

يمكن تقسيم دعاء الافتتاح الذي محوره هو الله جل جلاله الى اربعة اقسام،

القسم الاول يتناول التمجيد لله سبحانه وبيان عظمته ورحمته،

والقسم الثاني يتناول بيان المنزلة العظيمة لنبيه المصطفى وحججه في ارضه الذين عهد اليهم بيان دينه،

والقسم الثالث يتحدث عن منزلة حجة الله المهدي المنتظر ومقامه في امته،

والقسم الرابع فيما يرجى من التغير بعد قيام المهدي المنتظر  بإذن الله.

و شرح الدعاء في بدايته يتناول القسم الاول من تمجيد الله وبيان عظمته وفيما يلي :

 

 

شرح دعاء الافتتاح  1

 

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ


💠(اللَّهُمَّ إِنِّي أَفتَتِحُ الثَّنَاءَ بِحَمدِكَ).

يستحب ابتداء الامور جميعا بذكر الله وبحمده فهو المالك الحقيقي لكل ما في الكون وهو ما بيّنه في كتابه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ]، وفي قوله تعالى: [وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا].

💠(وَأَنتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوَابِ بِمَنِّك).

أي ان الله سبحانه هو المرشد والملهم للتفكير الصحيح والعمل الصائب السليم بلطفه وعنايته، ولولا ذلك لضل الانسان في مسعاه واتبع خطوات الشيطان وهو يحسب انه يفعل الصواب كما في قوله تعالى: [إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ]، وفي قوله كذلك: [وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ].

💠(وَأَيقَنتُ أَنَّكَ أَنتَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ، فِي مَوضِعِ العَفوِ وَالرَّحمَةِ، وَأَشَدُّ المُعَاقِبِينَ فِي مَوضِعِ النَّكَالِ وَالنَّقِمَةِ).

فرحمة الله تتجلى في كل شيء وخاصة عند العفو والمغفرة فمن حق الخالق ان يأخذ المسيء بالعقوبة عند اول عصيان من دون امهال ولكن الله سبحانه بلطفه فتح ابواب رحمته في كثير من الاعمال والمناسبات فجعل الحسنة بعشر امثالها والسيئة بسيئة، وفتح باب التوبة التي تجبّ ما قبلها من السيئات، وجعل من الحج المبرور كفارة لكل الذنوب حتى يعود الانسان كيوم ولدته امه، وجعل صوم شهر رمضان سببا لهطول الرحمة الالهية الواسعة التي يعتق بها رقابا من النار، وكذا الحال في كثير من الاعمال التي فتحها الله لعباده في الاوقات والمناسبات الخاصة الزمانية والمكانية كأوقات الصلاة وليالي الجمع وايام الجمع وليالي القدر والاوقات التي وردت في الاحاديث الشريفة للمعصومين وادعيتهم الصحيحة وخاصة ما ورد في الصحيفة السجادية مما لا يسعه هذا الشرح المختصر.

كما ان من يطلّع على العقوبات الالهية الماضية والحاضرة للأفراد والامم من الظلمة والفسقة يجد ان الله سبحانه شديد العقاب للعاصين وهو ما عبّر عنه في الدعاء (وَأَشَدُّ المُعَاقِبِينَ فِي مَوضِعِ النَّكَالِ وَالنَّقِمَةِ) والنكال هو إنزال العذاب والعقاب من الله، فالله غفور رحيم ولكنه شديد العقاب.

💠(وَأَعظَمُ المُتَجَبِّرِينَ فِي مَوضِعِ الكِبرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ).

المتجبّر اي المتكبر هو اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه العظيم المتعالي عن صفات الخلق، والمُتفرِّد بالعظمة الدائمة التي لا تزول والذي يفعل بملكه ما يشاء ويريد، اما المتكبر بالنسبة للمخلوقين ومنهم البشر فهو الذي يرى نفسه انه اعلى من الاخرين شأنا حيث يرى ذاته انها اعلى درجة واكثر اهمية من الاخرين وهو من كيد الشيطان الذي كان من المتكبرين على الطاعة لأمر الله كما في قوله تعالى: [قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ]، والمراد بالعبارة هو انه لا ينبغي التكبر على الله بما يزينه الشيطان من الاحساس بالقوة والعظمة المزيفة كما في قول فرعون لقومه اذ قال: [قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ]، فكل ما يناله الانسان في الدنيا انما هو ضمن الارادة الالهية ولا يخرج عن سننه وارادته التي تحكم الكون كله .

💠(اللَّهُمَّ أَذِنتَ لِي فِي دُعَائِكَ وَمَسأَلَتِكَ، فَاسمَعْ يَا سَمِيعُ مِدحَتِي، وَأَجِبْ يَا رَحِيمُ دَعوَتِي، وَأَقِلْ يَا غَفُورُ عَثرَتِي).

فمن يوفقه الله للدعاء فقد فتح له بابا من ابواب رحمته التي يهبه فيه من عطاياه المعنوية والمادية، فالله لا يخفى عليه شيء وهو على كل شيء قدير، وعطاياه المعنوية في الدعاء هي أعظم من عطاياه المادية عند التوجه القلبي اليه والخشوع له كما في قوله تعالى [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]، ومن ضمن عطاياه الاقالة لعبده، وهي الإنهاض من السقطة بعد العثرة والمراد بها الانهاض من حالة العصيان والآثام والعودة الى الطاعة والانابة.

💠(فَكَمْ يَا إِلَهِي مِنْ كُربَةٍ قَد فَرَّجتَها، وَهُمُومٍ قَد كَشَفتَها).

فلولا لطف الله وفضله لما انفرجت تلك الكربات ولما انكشفت تلك الهموم، ولكنه بلطفه ورحمته يكشفها عن عباده كما تنكشف السحب عن السماء بنزول المطر كما في قوله: [اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ، وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا {اي قطعا متفرقة من الغيوم} فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ {والودق هو المطر}، فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ].

💠(وَعَثرَةٍ قَد أَقَلتَهَا، وَرَحمَةٍ قَد نَشَرتَهَا، وَحَلقَةِ بَلَاءٍ قَد فَكَكتَهَا)

فلو تأمل الانسان في عظيم لطف الله ورحمته الذي غمر به عبده لوجد ان المشاكل والصعاب كادت تصبح عليه كالحلقة أو السجن الذي لا يستطيع الخلاص منه ولكن الله برحمته قد كشفها عنه فكأنها لم تكن ولم تحدث كما في قوله [أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ]، وهو القائل كذلك:[أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ].

 

تتمة شرح الدعاء

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com