شرح دعاء الافتتاح   18
 

تقدم الشرح في القسم الثاني( بعد تمجيد الله في القسم الاول)الى ايضاح منزلة رسول الله (ص) عند الله، ومنزلة امير المؤمنين ع كحجة لله ومنزلة الصديقة الزهراء ثم بيان مقام حجج من بعد امير المؤمنين والذي جرى فيه ايضاح منزلة الامامة عموما وفيما يلي تتمة الموضوع:

في الحديث عن الامام الصادق ع في بيان منزلة الامامة وعظم مسئوليتها قال :

💠(هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم ؟ أن الإمامة أجل قدراً، وأعظم شأناً، وأعلى مکاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم.

💠(إن الإمامة خصّ الله عزّ وجل بها ابراهيم الخليل بعد النبوة والخلّة، مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره).
اي ان الله سبحانه رفع بالامامة درجة ابراهیم ع لان الامامة الربانية هي مرتبة اعلى من مرتبة النبوة ومرتبة الخلّة او المحبّة من الله كما في قوله تعالى[وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا]}، فقال:(وَمِن ذُرِّيَّتِي؟)، قال الله تبارك وتعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة.

💠(ثم اكرمه الله تعالى فجعلها في ذريته فلم تزل في ذریته اهل الصفوة والطهارة)
اي ان الله جعل الامامة في ذرية ابراهيم من المصطفين، (فقال:[وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ]).

💠(فلم تزل في ذريته یرثها بعض عن بعض، قرناً فقرناً، حتى ورَّثها الله تعالى النبي(ص) فقال جل وعلا:[إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ]، فكانت له خاصة، فقلدها علیاً بأمر الله تعالی علی رسم ما فرض الله).
وفي ذلك اشارة الى بيعة الغدير وانها كانت بأمر الله تعالى بمعنى ان الولاية الربانية انتقلت من ابراهیم والاصفیاء من ولده والذين علی راسهم سید الأنبياء محمد ص لتكون في علي واولاده المصطفين بأمر الله تعالى والذين خصهم بالعلم والايمان.

💠(فصارت فی ذریته الاصفیاء{اي ذرية امير المؤمنين} الذین آتاهم الله العلم والإيمان، بقوله تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]، فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد ص، فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟

💠(إن الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله، وخلافة الرسول ص، ومقام أمير المؤمنين ع، وميراث الحسن والحسين (عليهما السلام).(الکافی: ج ۱ ص ۱۵۵).

ولا يتسع المجال هنا لذكر الروايات الأخرى الواردة في شرح عظمة الإمامة ولكن ما ذكر منها يوضح ضخامة المسؤولية والأمانة التي اضطلع الأئمة ع بحملها.

ومن ذلك يتضح أن للأئمة القادة ع من الحقوق على أمتهم والأمم التي تلتهم فضلا عظياً وبشكل خاص للأسباب التالية:
♻️
الأول: لما أوصلوه لهم من الشرائع الإلهية المقدسة التي استنقذتهم من ظلمات الكفر والشرك والجاهلية الجهلاء إلى أنوار الأحكام الإلهية الغراء، ولولا ذلك لعاشت البشرية اقصی درجات الانحطاط والسفالة وکانت البهائم أفضل حالا منها.

♻️ والثاني: لما قام به الأئمة أنه من مجهودات عظيمة في تبليغ الرسالة تعجز عن وصفها الكلمات حيث ضربوا أروع أمثلة الكمال الإنساني في الجهاد والتضحية والبذل والمعاناة والتحمل للآلام والهموم والصعاب والمحن من أجل إيصال أمانة الله وتطبيق الشريعة بحذافيرها، وبذلك كانوا المثل الأعلى والقدوة للبشر بما قدموه من معاني الاخلاص والعرفان والتقوى والإعراض عن زينة الدنيا وزهرتها والتجرد من الذات والتفاني في الله ابتغاء لوجه الله ورضوانه، ومثل هذه النفوس العظيمة هي بحق خيرة الله في خلقه وصفوته من عباده وحججه على عباده يوم القيامة، والذين وصفهم أمير المؤمنين ع في مكانتهم من الله تبارك وتعالى بقوله:

💠(هم موضع سره).
أي أن الله سبحانه خصهم من علومه عن طريق نبيه بما يجعلهم أمناء على شريعته ومدركين لموقعهم ومسؤوليتهم فيها وبعض هذه الأسرار أو العلوم هي المعرفة بما ستؤول إليه حال الدنيا إلى يوم القيامة والتي أخبر رسول الله ص ببعضها من على منبره واختص بالبعض الأخر خليفته علي بن آبي طالب بها .

💠(ولجأ أمره).
اي ان الائمة ع هم الملجأ في تحكيم وتطبيق شريعة الله في الأرض فمن دون امام معصوم تغلب الاهواء على المتصدين لهذا الموقع.

💠(وعيبة علمه).
والعيبة هو الوعاء فالائمة ع يمثلون الوعاء لعلم الله الذي علمه لانبيائه وحججه، والمراد أن الأئمة ع هم المستودع والخزان لعلوم الله التي افاضها على أنبيائه ورسله ثم انتقلت عن طريق رسول الله الى امير المؤمنين، ومنه الى اولاده المصطفين من بعده تباعا.

(ومؤل حکمه).
بمعنی الی الائمة الصالحين یرجع اليهم القول الفصل في آحکام الله

💠(وکهوف کتبه).
اي الذین اشتمل علمهم علی علم ماورد في الکتاب السماوية وما اخبر به رسول الله (ص).

💠(وجبال دينه).
أي إن الأئمّة في صلابتهم صمودهم هم كالجبال الراسخة التي لا تتزعزع من عمل المحاربين لهم او تتهدم .

💠(بهم أقام انحناء ظهره وأذهب ارتعاد فرائصه).
أي بالائمة ع دفع الله الانحراف عن الدين، والمراد أن الدین بجهودهم و احادیثهم آصبح قویا قادرا علی رد الشبهات ومسايرة الاوضاع الجديدة باصوله الربانية الاصيلة المتسمة بالعلم والحكمة.
(نهج البلاغة: ص ۲۳۹).

♻️والسبب الثالث من حق الائمة على امتهم هو لفضلهم على عباد الله في الدنيا وفي الآخرة، فهم الوسائط والوسائل الذين يتوسل بهم العباد إلى الله تبارك وتعالى في شؤون الدنيا وحوائجها ومهماتها، وهم العرفاء والشفعاء يوم القيامة ويوم الفاقة،

فعن أمير المؤمنين ع أنه قال:
💠(وإنما الأئمة قوام الله على خلقه{أي القيمين على الخلق بمعنى القائمين بتطبيق أمر الله في خلقه}، وعرفاؤه على عباده، ولا يدخل الجنة، إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من آنکرهم وأنکروه).(نهج البلاغة خطبة٥٢).
فکیف یمکن مجازاة هؤلاء الصفوة الذین لهم الحق العظيم على عباد الله؟ وكيف تنسى افضالهم وتضحياتهم ومعاناتهم من اجل سعادة خلق الله في الدارين؟ وكيف يؤدى حقهم وهم شموس الدنيا ومصابيح الهدى وسفن النجاة؟
ان اقل وفاء لهؤلاء القادة هو معرفتهم ومحبتهم وولايتهم والانتهاج بمنهجهم وسيرتهم عسى ان يظفر الموالي بقبول ولايتهم وشفاعتهم يوم الحاجة والفاقة، ومن هنا يكون لذكر الائمة وزيارتهم المعنى البليغ في وصلهم والاقرار بعظيم فضلهم ثم الارتشاف من مناهلهم بما تمنحه الزيارة من احساسات ومشاعر ومعاني بليغة يحسها الموالي حينما يلتقي بإمامه حجّة الله على الخلق، فيسلم ويصلي عليه، ويعيش عبقاته وتضحياته، فيتربى بهذه المشاعر والإنفعالات ويتزود منها لمواصلة الاقتداء بهم والإستنان بسنتهم، اضافة إلى ما تحمله الزیارة من برکات ونفحات یدرکها الزائر حينما يتوسل بإمامه وعظيم منزلته عند الله إلى الخالق تبارك وتعالى في قضاء حاجات الدنيا والآخرة. فلا عجب في أن نجد ان شيعة آل محمد قد بذلوا أموالهم وأنفسهم من أجل زيارة أولئك الأئمة الأطهار جميعاً وبالخصوص زيارة أبي عبد الله الحسين الشهيد المظلوم، لأن مزاراتهم هي رمز الخط الإسلامي الأصيل، ومنبع الثورات الصادقة ضد الظلم والطغيان والانحراف، ولا تزال وستبقى مهوى قلوب المؤمنين ومحط رحالهم وولائهم لاهل بيت النبوة والرسالة والمثل الاعلى والصراط المستقيم الذي يقتدون به في الحياة.


وللشرح تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com