شرح دعاء الافتتاح    16


💠(وَصَلِّ عَلَى الصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ، سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ).

تقدم الشرح لدعاء الافتتاح في ايضاح منزلة رسول الله وبيان الحجج من بعده، وتناول حجية امير المؤمنين ثم انتقل بعده الى بيان مقام الزهراء بالصلاة عليها، وهو ما تم الحديث عنه في الحلقة السابقة بعد ذهابها للمسجد ومخاطبة الخليفة ابو بكر ومعه المهاجرين والانصار وفيما يلي تتمة الموضوع :

فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان {بكلام ليّن لتهدئتها وتهدئة الموقف المتشنج في النفوس بعد خطبتها} وقال :
يا بنت رسول الله، لقد كان ابوك بالمؤمنين عطوفا كريما، رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا اليما، وعقابا عظيما، ان عزوناه{اي نسبناه ردا على كلامها الاول} وجدناه اباك دون النساء، واخا إلفك دون الاخلاء {الالف : هو الاليف بمعنى المألوف والمراد به هنا الزوج لأنه إلف الزوجة}، لا يحبكم الا سعيد، ولا يبغضكم الا شقي بعيد، فأنتم عترة رسول الله، والطيبون الخيرة المنتجبون، على الخير ادلتنا، إلى الجنة مسالكنا، وأنت يا خيرة النساء، وأبنة خير الانبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله، ولا عملت الا بإذنه، والرائد لا يكذب أهله، واني اشهد الله وكفى به شهيدا، أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول :(نحن معاشر الانبياء، لا نورّث ذهبا ولا فضة، ولا دارا ولا عقار، وإنما نورث الكتاب والحكمة، والعلم والنبوة، وما كان لنا من طعمة، فلولي الامر بعدنا، ان يحكم فيه بحكمه)، وقد جعلنا ما حولته{اي فدك} في الكراع والسلاح، يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفار، ويجالدون المردة الفجار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم انفرد به وحدي، ولم استبد بما كان الرأي عندي، وهذه حالي ومالي، هي لك وبين يديك، لا تزوى عنك، ولا ندخر دونك، وانك وانت سيدة امة أبيك، والشجرة الطيبة لبنيك، لا ندفع مالك من فضل، ولا يوضع{اي ينقص} في فرعك وأصلك، حكمك نافذ فيما ملكت يداي، فهل ترين ان اخالف في ذلك أباك(صلى الله عليه وآله)؟

*فقالت (عليها السلام): سبحان الله ما كان أبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن كتاب الله صادفا{أي معرضا}، ولا لأحكامه مخالفا، بل كان يتبع اثره، ويقفو سوره*، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالا عليه بالزور، وهذا بعد وفاته، شبيه بما بغى له من الغوائل{أي المهالك} في حياته، *هذا كتاب الله حكما عدلا، وناطقا فصلا، يقول:[يرثني ويرث من آل يعقوب] ، ويقول:[وورث سليمان داود]، وبيّن عزّ وجل فيما وزّع من الاقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظ الذكران والاناث، ما أزاح به علة المبطلين، وأزال التظني والشبهات في الغابرين*، كلا بل سولت لكم انفسكم أمرا، فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون).
{وكان ينبغي بعد الدليل القرآني القاطع الذي ذكرته الصديقة الطاهرة في آيات الارث ان يكون حاسما فكل حديث يخالف القران يضرب بعرض الحائط كما هو معلوم من احاديث النبي (ص)، اضافة الى ما ذكرته من ان رسول الله (ص) لم يكن عن القران صادفا اي معرضا بل هو اول متبع للقران، وما قالته كذلك(ام انت اعلم بالقران من ابي وابن عمي؟) فكان ينبغي ان يكون هذا باعثا لدحض ادعاء ابي بكر في ادعائه انه سمع رسول الله يقول بعدم التوريث، كما كان ينبغي ان يكون دافعا لتحريك من كان في المسجد من المهاجرين والانصار لنصرتها}.

فقال ابو بكر : صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنت معدن الحكمة، وموطن الهدى والرحمة، وركن الدين، وعين الحجّة، لا ابعد صوابك، ولا انكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلدوني ما تقلدت، وباتفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبد، ولا مستأثر، وهم بذلك شهود. {وبهذه الكلمات اللينة اشرك من كان في المسجد معه في الراي فلم ينهض منهم احد لنصرتها}

فالتفتت فاطمة(عليها السلام) إلى الناس وقالت : معاشر المسلمين المسرعة إلى قبول الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، افلا تتدبرون القرآن؟ أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما اسأتم من اعمالكم، فأخذ بسمعكم وابصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم، لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، اذا كُشف لكم الغطاء، وبان ورائه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون .

ثمّ عطفت على قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقالت :
قد كان بعدك انباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب،
انا فقدناك فقد الارض وابلها
{اي مطرها}، واختل قومك فاشهدهم ولا تغب، وكل اهل له قربى ومنزلة عند الاله على الأدنين مقترب، ابدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت، وحالت دونك الترب، تجهمتنا رجال واستخف بنا لما فقدت، وكل الارض مغتصب، وكنت بدرا ونورا يستضاء به عليك ينزل من ذي العزة الكتب، وكان جبريل بالآيات يؤنسنا فقد فقدت وكل الخير محتجب، فليت قبلك كان الموت صادفنا لما مضيت وحالت دونك الكثب،

ثمّ انكفئت{بمعنى رجعت غاضبة}،
وأمير المؤمنين (عليه السلام) يتوقع رجوعها اليه، ويتطلع طلوعها عليه، فلما استقرت بها الدار، قالت: لأمير المؤمنين: يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين
{اي مجلس من يضنون الكذب بالقائل}، نقضت قادمة الاجدل{اي الصقر} فخانك ريش الاعزل{وهو الطير الذي لا يقوى على الطيران}، هذا ابن ابي قحافة يبتزني{أي يسلبني} نحلة أبي وبغلة ابني{البغلة ما يتبلغ به من العيش }، لقد اجهد في خصامي، والفيته الالدّ{اي وجدته الاشدّ} خصومة في كلامي، حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها{اي ان الانصار والمهاجرين سكتوا ولم يقفوا معها في دعواها والانتصار لها}، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، اضرعت خدك يوم اضعت حدك،{وهو مثل لوصف من لا يكون له قوة في السلاح فإنه يصيبه الذل}، افترست الذئاب، وافترشت التراب، ما كففت قائلا، ولا اغنيت طائلا{أي ما فعلت شيئا نافعا}، ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون ذلتي، عذيري العذير منه عاديا {بمعنى ان العاذر وهو الله اساله ان ينتقم منه}، ومنك حاميا{اي يهبني حمايتك}، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العمد، ووهن الوهن ، شكواي إلى أبي، وعدواي العدوى، اللهم انك اشد منهم قوة وحولا، واشد بأسا وتنكيلا.
فقال أمير المؤمنين ع: لا ويل لك بل الويل لشانئك
{اي مبغضك}، نهنهي عن وجدك، {أي كفي عن حزنك وخففي من غضبك} يا ابنة الصفوة، وبقية النبوة، فما ونيت {أي ما كللت ولا ضعفت}، ولا عييت عن ديني، ولا اخطأت مقدوري، {بمعنى هكذا قدر الله}، لما اوصاني به الرسول، فان كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون، وما اعد لك افضل مما قطع عنك، فاحتسبي الله .
فقالت : (حسبي الله)، وامسكت.

الى هنا انتهى شرح موضوع الصلاة على الزهراء في دعاء الافتتاح ليكون بعدها بيان بقية ما ورد فيه بإذن الله
 

وللشرح تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com