شرح دعاء الافتتاح    13 
 

💠(وَصَلِّ عَلَى الصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ، سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ).

تقدم الشرح في القسم الثاني الذي تناول ايضاح منزلة رسول الله وبيان الحجج من بعده وتناول حجية امير المؤمنين ثم انتقل الى بيان مقام الزهراء بالصلاة عليها، وهو ما تم الحديث عنه في الحلقة السابقة وفيما يلي تتمته:

بعد وفاة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء جلس الإمام المفجوع عند قبرها بعد دفنها سرا كما طلبت في وصيتها، فقال يؤبنّها: بما روي عنه في نهج البلاغة أنّه قال:

(السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي، وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ فِي جِوَارِكَ، وَالسَّرِيعَةِ اللَّحَاقِ بِكَ، قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ، عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي، وَرَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي، إِلاَّ أَنَّ لِي فِي التَّأَسِّيِ بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ، وَفَادِحِ مُصِيبَتِكَ، مَوْضِعَ تَعَزّ{اي ما اصابه من مصيبة عند موت رسول الله كان فيه موضع للاعتبار والعزاء عن فقد فاطمة (ع)، وهو ما يكشف عن مدى حبه العظيم لرسول الله}،

فَلَقَدْ وَسَّدْتُكَ فِي مَلْحُودَةِ قَبْرِكَ{اي اضجعتك في الجهة المشقوق منها القبر}، وَفَاضَتْ بَيْنَ نَحْرِي وَصَدْرِي نَفْسُكَ،[إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]، فَلَقَدِ اسْتُرْجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَةُ، أَمَّا حُزْنِي فَسَرْمَدٌ{اي دائم لا ينتهي}، وَأَمَّا لَيْلِي فَمُسَهَّدٌ{اي ينقضي بالسهاد وهو السهر متألما لفراقها}، إِلَى أَنْ يَخْتَارَ اللهُ لِي دَارَكَ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مُقِيمٌ).
(نهج البلاغة خطبة ٢٠٢)

وورد في مصادر اخرى انه قال في نهاية الخطبة:

(وستُنَبِّئَك ابنُتُكَ بتضَافرِ أمَتِكَ على هَضمِها، فأحفِها السؤال، وأستخبِرها الحَال{والاحفاء هو المبالغة والاستقصاء في السؤال}، هذا ولم يَطُل العَهدُ{اي زمان موتك}، ولم يَخلُ منكَ الذِكرُ، والسّلام عَليكُما سلامَ مودِّع لا قَالٍ{اي غير مبغض}، ولا سَئمٍ فإن أنصرفً فلا عن مَلالَةٍ وان أقِم فلا سُوءِ ظنٍ بما وعدَ اللهُ الصابرين).
(اصول الكافي ج١ص٤٥٨، دلائل الامامة للطبري ص٤٧، مجالس المفيدص١٦٥، الامالي للطوسي ج١ص ١.٨)

وهو ما يظهر عن مدى الظلامة التي عانتها الزهراء بعد موت رسول الله من حيث مخالفة وصية رسول الله في تعين امير المؤمنين خليفة له معرفة منها بدين الله واحكامه وهو ما بينته في مجادلتها لابي بكر والتي ابرزت علمها وفقهها في الدين، ثم ما تلاه من سُلب حقها من ارض فدك والتي كانت تحت يدها حتى وفاة رسول الله بقصد اذلال اهل البيت وتجويعهم وهو ما دفعها لمجادلة الخليفة ابو بكر في المسجد وهو بين جماعة من المهاجرين والانصار لإقامة الحجة عليهم ولبيان حقيقة الخلافة التي تمخضت عنها سقيفة بني ساعدة، والتي نقلها الطبرسي كاملة في كتابه الاحتجاج حيث ورد فيه :

انه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة (ع) فدكا وبلغها ذلك، لاثت{أي لفت} خمارها، واشتملت بجلبابها، واقبلت في لمّة {أي في جماعة قليلة} من حفدتها{اي من اعوانها}، تطأ ذيولها عند المشي {أي ان اثوابها كانت طويلة تخفي اقدامها} ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله){اي شبيهة بمشية رسول الله} حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد{أي جماعة} من المهاجرين والانصار وغيرهم}، فنيطت {أي عُلقت} دونها ملاءة فجلست، ثم أنت {من الانين والالم} واجهشت بالبكاء، فأجهش القوم بالبكاء وارتجّ المجلس، ثم امهلت هنيئة حتى اذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله، فعاد القوم في بكائهم، فلما امسكوا عادت في كلامها فقالت :

(الحمد لله على ما انعم، وله الشكر على ما الهم، والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتداها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الادراك أبدَها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها{اي بكثرة ثوابها}، وثنى{اي دعا} إلى امثالها،
واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الاخلاص بأولها، وضمن القلوب موصلها
{اي المتواصل في الاخلاص}، وأنار في التفكر معقولها{اي معانيها}، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الالسن صفته، ومن الاوهام كيفيته، ابتدع الاشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء{اي من دون اقتداء بشيء سابق}، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، الا تثبيتا لحكمته، وتنبيها على طاعته، واظهارا لقدرته، وتعبّدا لبريته، ثم جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، ذيادة{اي ابعادا} لعباده من نقمته، وحياشة لهم إلى جنته،{حاش الابل : جمعها وساقها}.

واشهد ان أبي محمدا عبده ورسوله، اختاره قبل ان ارسله، وسماه قبل ان اجتباه، واصطفاه قبل ان ابتعثه، اذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الاهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة{اي في عالم الذر قبل الخلق}، علما من الله تعالى بما يلي الامور، واحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بموقع الامور، ابتعثه الله اتماما لأمره، وعزيمة على امضاء حكمه، وانفاذا لمقادير حتمه، فرأى الامم فرقا في اديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمد (صلى الله عليه وآله) ظلمها، وكشف عن القلوب بَهمها{أي مبهماتها وهي المشكلات من الامور}، وجلى عن الابصار غممها،{جمع غمة وهي المبهم الملتبس}، وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم، ثمّ قبضه الله اليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وايثار، فمحمد (صلى الله عليه وآله) من تعب هذه الدار في راحة، قد حُف بالملائكة الابرار، ورضوان الرب الغفار، ومجاورة الملك الجبار، صلى الله على أبي نبيه، وأمينه، وخيرته من الخلق وصفيه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثمّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت : انتم عباد الله، وحملة دينه ووحيه، وامناء الله على انفسكم، وبلغائه إلى الامم، زعيم حق له فيكم{اي ان لرسول الله حق عليكم}، وعهد قدّمه اليكم، وبقية استخلفها عليكم،[وهو] كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بَيّنَةٌ بصائره، مُنكشفة سرائره، مُنجلية ظواهره، مُغتبطة به اشياعه، قائدا إلى الرضوان اتباعه، مُؤد النجاة استماعه، به تنال حجج الله المُنورّة، وعزائمه المُفسّرة، ومَحارمُه المحذِّرة، وبيناته الجليّة، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.

فجعل الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس، ونماء في الرزق، والصيام تثبيتا للإخلاص، والحج تشييدا للدين، والعدل تنسيقا للقلوب،

وطاعتنا نظاما للملة، وامامتنا امانا للفرقة، والجهاد عزا للإسلام، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامة، وبر الوالدين وقاية من السخط، وصلة الارحام منسأة{أي مؤخرة للاجل واطالة للعمر}، والقصَاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة{اي تعرضا للمغفرة}، وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس{اي منعا لانقاص السلعة}، والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابا عن اللعنة{اي تجنبا للتلاعن لإثبات البراءة بين الطرفين}، وترك السرقة ايجابا بالعفّة{اي سببا لعفّة النفس}، وحرم الله الشرك اخلاصا له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن الا وأنتم مسلمون، واطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فانه [انما يخشى الله من عباده العلماء].


وللشرح تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com