شرح دعاء الافتتاح    12 
 

💠(وَصَلِّ عَلَى الصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ فَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ، سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ).

تقدم الشرح في القسم الثاني الذي تناول ايضاح منزلة رسول الله وبيان الحجج من بعده وتناول حجية امير المؤمنين ثم انتقل الى بيان مقام الزهراء بالصلاة عليها، وهو ما يستوجب التوضيح والشرح:

نشأت الزهراء (عليها السلام) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن المجيد، وكانت فاطمة الزهراء تشبه رسول الله في خَلْقه وأخلاقه، وقد كان رسول الله ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويجلسها جنبه.

وكانت فاطمة ترعى أباها عندما توفيت أمها خديجة الكبرى، وتسعى لملأ الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها، وهي في تلك السنّ الصغيرة وقد شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة وفي حصار شعب ابي طالب وتحملت الجوع والأذى معه، وكانت تحدّثه بما يُسلّي خاطره ويزيل الآمه، ولهذا سمّاها رسول الله(ص): أمَّ أبيها.

وقد سألتْ عائشة رسول الله ذات يوم عن سبب حبّه لفاطمة هذا الحبَّ العظيم، فقال لها يا عائشة لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ، فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني، ومن سرّها فقد سرّني.

ولما بلغت فاطمةُ سنَّ الرشد، خطبها كثير من الصحابة في طليعتهم أبو بكر وعمر، وكان رسول الله يردّ الخاطبين قائلاً: إنني أنتظر في أمرها الوحي، وجاء جبريل يخبره بأن الله قد زوّجها من علي، وهكذا تقدم علي، والحياء يغمر وجهه إلى خطبة فاطمة (ع)

فدخل رسول لله على فاطمة ليرى رأيها وقال لها: يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟
سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء، فهتف رسول الله: الله أكبر، سكوتها رضاها، وقد تمّت مراسم العقد والزواج ببساطة تعكس سماحة الإسلام، فقد كان علي لا يملك من دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه، فأراد أن يبيع سيفه، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف علي، ولكنه وافق على بيع الدرع، فباعه علي (ع) ودفع ثمنه إلى النبي ليكون مهرا لزوجته.

كانت حياة علي وفاطمة(عليهما السلام) مثالاً للحياة الزوجية الكريمة، ومثالا للزهد في الدنيا، وفي الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة(ع) أول أولادها فسمّاه النبي الحسن (ع)، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن، وبعد عام وُلد الحسين(ع) فقد أراد الله أن تكون ذرّية رسوله محمد(ص) من فاطمة (ع)، واحتضن الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته، وكان يقول عنهما: هما ريحانتاي من الدنيا، وقال فيهما كثير من الاقوال المشهورة بين المسلمين ومنها (الحسن والحسن امامان قاما او قعدا وسيدي شباب اهل الجنة)، والحديث مذكور في مصادر اهل السنة اضافة لمصادر الشيعة كما في كتاب علل الشراىع ج١ص٢٤٨، والارشاد للمفيد، والبحار وكفاية الاثر وغيرهما،

ومرّ عام جاءت بعده زينب إلى الدنيا، وبعدها أم كلثوم وهكذا أراد الله أن تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء (ع) كما في قوله تعالى:[إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، "ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ" وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] .

كما تحدث الله عن هذه الاسرة المباركة في ايات مختلفة كآية التطهير بقوله:[إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]، وايات اطعام الطعام لليتيم والاسير والمسكين وهم صيام كما في قوله تعالى:[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا].

وفي سورة المباهلة عندما اراد وفد نصارى نجران مباهلة النبي بان ينزل الله لعنته على الكاذب منهم، فخرج اليهم ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين فأصابهم الرعب وتخلوا عن المباهلة ورضوا بشروط رسول الله، كما بين في الله في كتابه بقوله:[فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ].

واذا كانت مريم بنت عمران سيدة النساء في عصرها، وكانت آسية امرأة فرعون سيدة نساء زمانها، وكذلك كانت خديجة بنت خويلد (عليهم السلام جميعا)حيث شملتهم الاحاديث بانهم افضل نساء اهل الجنة، فقد توّج الاسلام فاطمة الزهراء بأنها سيدة نساء العالمين، حيث كان زوجة لولي الله الاعظم بعد النبي، وكان منها الحسن والحسين والائمة المعصومين من ذرية الحسين واخرهم الامام المهدي (ع)،

واذ كان ذكر الله لمريم في كتابه بقوله:[وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ]، لكونها مطهرة، ومنها نبي الله عيسى(ع)، فان فاطمة ع كذلك مطهرة في اية التطهير الماضية، اضافة الى ان منها حجج الله المعصومين ومنهم الامام المهدي (ع) والذي سيصلّي خلفه نبي الله عيسى ع، بعد ظهوره والذي ستكون دعوته للعالم كله وولايته عالمية في اصلاح الدنيا ليملئها قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا،

فمنزلة الزهراء لا تضاهيها منزلة اذ هي الجسر الرابط بين النبوة والامامة بعد ان شاءت الارادة الالهية ان يكون رسول الله (ص) هو اخر الانبياء.

ولقد كانت فاطمة (ع) قدوة في كل شيء، في دينها واخلاقها وعبادتها قبل الزواج وبعده، فيوم كانت فتاة سهرت على راحة أبيها وشاركته آلامه، ويوم كانت زوجة وقفت الى جانب زوجها واعانته على جهاده وصبره، ويوم كانت أمَّا ربت صغارها على حبّ الله وقيم الاسلام العليا فنهلا منها ما جعلهما يكونان من اعلام الهدى والعروة الوثقى.

ولذا كان رحيل رسول الله (ص) صدمة كبيرة لابنته البتول لم يتحملها قلبها اضافة لما حدث في بيعة السقيفة من مخالفة لوصية رسول الله، والتي اعقبها اغتصاب ارض فدك منها لأذلال ال النبي بإفقارهم فحاولت الزهراء الدفاع عن حقّها وحق زوجها، وكان هدفها البعيد هو اضهار حقيقة الخلافة وعدم شرعيتها كما بينته في متن خطبتها والتي سيرد ذكرها في الموضوع.

لقد كان الإمام علي يدرك أن استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة، فتذهب كل جهود رسول الله أدراج الرياح ويعود الناس إلى الجاهلية مرّة أخرى، ولذا طلب الإمام من زوجته الاعتصام بالله والصبر على البلاء، حفاظاً على الإسلام، فسكتت الزهراء لكنها بقيت غاضبة، وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله (ص)، وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه.

سكتت الزهراء إلى أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً وما في ذلك من اعلان واضح على المعارضة والرفض للحاكم الذي تمخض عن سقيفة بني ساعدة.

كانت فاطمة ع كشمعة تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا لم تستطع البقاء بعد رحيل أبيها وتنكر الزمان لها، كانت أحزانها تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف: أشهد أن محمداً رسل الله وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر، وهزل جسمها ولم يعد يتحمل شوق روحها إلى الرحيل، وهكذا ودّعت الدنيا، ودّعت الحسن بسنواته السبع، والحسين بأعوامه الستة، وزينب بسنواتها الخمس، وأم كلثوم وردة في ربيعها الثالث، وكان أصعب ما في الوداع أن تودّع زوجها وشريك أبيها في الجهاد وشريك حياتها التقي النقي، فأغمضت الزهراء عينيها بعد أن أوصت زوجها بأطفالها الصغار، كما أوصته أن تدفن سرّاً، وما يزال قبر الزهراء مجهولاً الى اليوم ويرسم علامة استفهام كبرى في التاريخ عن سبب ذلك وهي المعظمة التي نزلت فيها آيات عدة والتي قال فيها رسول الله: (فاطمة بضعة مني من اغضبها اغضبني)، وهو حديث موجود في كل المصادر السنية والشيعية.


وللشرح تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com