شرح دعاء الافتتاح    11
 

تقدم الحديث عن دعاء الافتتاح في بيان منزلة النبي ثم منزلة امير المؤمنين في خطبته المعروفة بالشقشقية والتي وصل فيها الى مقتل عثمان ابن عفان من قبل الثائرين عليه من الكوفة والبصرة ومصر بسبب سوء عمله، رغم محاولة امير المؤمنين في نصحه مما جعل الوضع في المدينة المنورة في حالة هيجان واضطراب فتركهم الامام حتى تهدأ احوالهم وعاد الى مسكنه، ثم قال متمما لخطبته الشقشقية:

💠(فَمَا رَاعَنِي إلاَّ وَالنَّاسُ إليَّ كَعُرْفِ الضَّبُعِ{وهو مثل يضرب للكثرة والازدحام وأصله من كثر الشعر الثخين على عنق الضبع}، يَنْثَالُونَ{اي يتتابعون مزدحمين} عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِب، حَتَّى لَقَدْ وُطِىءَ الحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ{اي خدش جانباه ع من شدة احتكاك الناس به}، مُجْتَمِعِينَ حَوْلي كَرَبِيضَةِ الغَنَمِ{والمراد اجتماع الناس حوله بكثرة من اجل مبايعته بالخلافة وكأنهم ربيضة الغنم اي المكان الذي يربض فيه الغنم}

فرغم محاولته ع في اقناعهم بانه يكون لهم وزير افضل من ان يكون لهم امير ولكنهم اصروا على مبايعته مما جعل الحجة تقام عليه كما مضى في اول كلامه

💠(فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالاْمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ{اي نقضت عهدها والمراد بهم اصحاب الجمل وعلى راسهم طلحة والزبير}، وَمَرَقَتْ أُخْرَى{اي خرجت عن الطاعة وهم اصحاب النهروان}، وَقَسَطَ آخَرُونَ{اي جاروا وظلموا وهم اصحاب صفين وعلى راسهم معاوية بن ابي سفيان}

💠(كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: [تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَاِ للَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً في الاَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]، بَلَى! وَاللهِ لَقَدْ سَمِعُوهَا وَوَعَوْهَا، وَلكِنَّهُمْ حَلِيَتَ الدُّنْيَا في أَعْيُنِهمْ، وَرَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا{اي زينتها وحليها}.

💠(أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ{اي الروح}، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم{اي لا يقرّوا للظلم بظلمه وهدره لحقوق الناس}، لاَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا{اي لتركت الامور كما كانت عليه سابقا من ابتعاده عن الخلافة}، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز{اي لا قيمة لها}.

فقام إِليه رجل من أهل السواد{اي من اهل العراق لخضرته بالزرع والنخيل والاشجار والعرب تسمي شدة الخضار سوادا}، فناوله كتابا عند بلوغه إلى هذا الموضع من خطبته، فأقبل ينظر فيه، فلمّا فرغ من قراءته قال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين، لو اطَّرَدت مَقالتكَ من حيث أَفضيتَ{اي لو اكملت قولك من حيث سكت -من اطراد النهر في جريانه-} ،فَقَالَ(عليه السلام):

💠(هَيْهَاتَ يَابْنَ عَبَّاس! تِلْكَ شِقْشِقَةٌ هَدَرَتْ ثُمَّ قَرَّتْ،{والشقشقة صوت ينطلق من رئة البعير اذا هاج ثم قرّت اي سكنت و هدأت}.

قال ابن عباس: فوالله ما أَسفت على كلام قطّ كأَسفي على ذلك الكلام أَلاَّ يكون أمير المؤمنين قد بلغ منه حيث أراد.(نهج البلاغة خطبة ٣)

ومن يطلّع على جهاد امير المؤمنين وعلمه وعدالته وخوفه من الله يدرك معنى الحجية لله في اختياره الصفوة من عباده فما كان ليترك عباده من دون حجة له ليرشدهم الى الصراط المستقيم الذي يكون فيه رضا لله جل جلاله[صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ]

ومن كلامه ع في نهج البلاغة خطبة رقم ٥ عندما عرض عليه ابو سفيان وشاركه العباس البيعة له بالخلافة بعد انتخاب ابو بكر قال:

💠(أَيُّها النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ، وَعَرِّجُوا عَنْ طَريقِ الـمُنَافَرَةِ{اي ابتعدوا عن طريق الخصومة والبغضاء والمنافرة}، وَضَعُوا تِيجَانَ الـمُفَاخَرَةِ.

💠(أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاح{اي من كان له القوة}، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ،

💠(مَاءٌ آجِنٌ(اي ان الخلافة التي يتصارع القوم هي كالماء الاجن الذي لا يستساغ لتغير لونه وطعمه}، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا{اي لا يهنأ بها اكلها}، وَمُجْتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا{اي نضجها} كالزَّارعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ{اي ان عمله لا فائدة منه}،

💠(فَإِنْ أقُلْ{اي يطالب بحقه في الولاية } يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى الـمُلْكِ، وَإنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزعَ مِنَ المَوْتِ! هَيْهَاتَ{بمعنى نفي ما يظنون من جزعه من الموت} بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي{اي بعد مروره بالشدائد الكبيرة والصغيرة في تأريخه الجهادي المشرق مع رسول الله ص}،

💠(وَاللهِ لاَبْنُ أَبي طَالِب آنَسُ بالمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي أُمِّهِ، بَلِ انْدَمَجْتُ{اي انطويت} عَلَى مَكْنُونِ عِلْم لَوْ بُحتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمُ اضْطِرَابَ الاْرْشِيَةِ{جمع رشاء بمعنى الحبل}في الطَّوِيِّ البَعِيدَةِ!{اي في البئر العميقة}.

وهو ما يكشف عن مدى ادراكه للواقع الحالي والمستقبلي وحرصه على سلامة الدين وبقائه حيا في النفوس، ومن يقرأ في نهج البلاغة مواعظه وحكمه يعلم حقيقة حجيته واخلاصه لله والمهام الصعبة التي اختاره الله لأدائها، فسلام الله وصلواته على ايته الكبرى والنبأ العظيم.


وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com