شرح دعاء الافتتاح    10
 

تقدم الحديث عن دعاء الافتتاح في بيان منزلة النبي ثم منزلة امير المؤمنين في خطبته المعروفة بالشقشقية والتي وصل فيها الى الشورى بعد وفاة عمر بن الخطاب فقال :

💠(حَتَّى إذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ{اي عمر} جَعَلَهَا في جَمَاعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا للهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاْوَّلِ مِنْهُمْ{اي الخليفة ابا بكر} حَتَّى صِرتُ أُقْرَنُ إلَى هـذِهِ النَّظَائِرِ؟).

وهو ما يبين استنكار امير المؤمنين لموضوع الشورى واختيار افرادها بهذه النوعية والكيفية والعدد والشروط، فأين هم أفراد الشورى من مستواه الشامخ في الدين والامة ؟ حتى ان الخليفة الاول لم يقل بأفضليته على امير المؤمنين كما في خطبته المشهورة التي قال فيها "وليت عليكم ولست بأفضلكم" فكيف بهؤلاء الذين جمعتهم الشورى معه والتي عبر عنهم بالنظائر، فاين الثرى من الثريا ؟ {الثريا هو النجوم، والثرى اي التراب}

💠(لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا{أسَفّ الطائر اي دنا من الأرض}، وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا).

وهو ما يبين اضطرار امير المؤمنين الى الجلوس مع الستة من اهل الشورى رغم عدم اهليتهم لذلك ولكن بحكم الوصية العمرية وبشروطها الصعبة التي يضرب فيها رأس من يخالف الخليفة المنتخب من الشورى، وان يتم الانتخاب في مدة اقصاها ثلاثة ايام رغم توقعه لما ستكون نتائجها، فأعضاء الشورى الستة بالإضافة لأمير المؤمنين هم: سعد بن ابي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عفان، ومن المعلوم ان سعد بن ابي وقاص لم يكن يعارض رأي ابن عمه عبد الرحمن بن عوف والذي هو صهر عثمان {اي زوج أخته} ولذا فمن الطبيعي أن يختار الاخير عثمان، فهذه التشكيلة ستضمن ان الخلافة ستكون لعثمان،

وبالفعل فقد خوّل سعد بن أبي وقاص رأيه منذ البداية إلى عبد الرحمن بن عوف، وسحب الزبير نفسه من التّرشيح للخلافة لصالح الإمام علي (ع)، اما طلحة ابن عبيد الله(وهو ابن عم ابي بكر) فقد اعطى رايه لعثمان، وهنا اعلن عبد الرحمن بن عوف أنه ليس بصدد تولّي الخلافة ولذا فقد اصبح كما يقال اليوم بيضة القبان بين علي وعثمان اذ لكل منهما صوتان وهو يمثل صوتان بعد تنازل سعد عن صوته له، ولذا فقد خاطب عبد الرحمن بن عوف الإمام علي (ع) واشترط عليه أن يتعهد بالعمل بكتاب الله وسيرة النبي (ص) وسيرة أبي بكر وعمر إذا ما تعيّن للخلافة، فكان جواب الامام علي (ع) انه سيعمل بكتاب الله وسنة نبيه واجتهاده، ثم توجّه عبد الرحمن ابن عوف إلى عثمان وعرض شرطه عليه وقبل عثمان بذلك دون ما تأمل، فعاد إلى الامام علي (ع) فأعاد علي قوله كالسابق، ففعل ذلك عبد الرحمن ثلاثا، فلما رأى أن عليا غير راجع عما قاله، وأن عثمان ينعم له بالإجابة صفق على يد عثمان وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.

فيقال: إن عليا (ع) قال له: والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه، دق الله بينكما عطر منشم. ( والمصطلح عطر منشم) هو تعبير عن انشغال الظالم بالظالم فيما بينهما؛ وهو ما حدث من خراب العلاقة بين عثمان وعبد الرحمن بن عوف فلم يكلم أحدهما الاخر حتى مات عبد الرحمن بن عوف.
وقد ذكرت تفاصيل قضية الشورى في مصادر مختلفة منها تاريخ اليعقوبي ج٢ص١٦٠، والامامة والسياسة ج١ص ٢٨، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص١٢٩، والمصنف ج٥ص١٢٩ ومصادر اخرى

ولذا اختصر امير المؤمنين ما دار في الشورى بالقول:

(فَصَغَى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغنِهِ{اي مال الى حقده، والمراد به سعد بن ابي وقاص}، وَمَالَ الآخر لِصِهرِهِ والمراد به عبد الرحمن بن عوف ، مَعَ هَن وَهَن {أي مع أغراض أخرى أكره ذكرها}، إلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعتَٓلَفِهِ)،

وهي عبارة تقال للمتكبر والمعنى الاصلي للعبارة نافجاً حِضنَيه: اي رافعاً لحضنيه، والحِضن هو ما بين الإبط والكَشْح{والكشح هو الخاصرة والضلوع اي كالرافع صدره بالفوز}، والنّثِيل هو الرّوْثُ وقذَر الدوابّ، واُلمعْتَلَفُ هو موضع العلف، وهو تشبيه للحالة التي كانت في نهاية انتخاب الشورى والتي انتهت بخلافة عثمان بن عفان وحالته عند تولي الخلافة .

💠(وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مَالَ الله،{اي يأكلون مال الله الذي هو مال المسلمين بلا عدل}، خَضْمَ الإبل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ{اي كما تأكل الابل النبتة الخضراء من دون حساب،})

حيث دام حكم عثمان اثنا عشر عاما وفي تلك الفترة فقد اساء ولاته الذين عينهم في هظم حقوق الناس لمالية والشخصية، فاجتمع عليه وفد اهل مصر والكوفة والبصرة عام٣٥ هجري وطالبوه تغير الحكام فقبل ذلك وبعث معهم رسالة ولما فتحوها في الطريق وجدوا انه يطلب من الولاة قطع رؤوسهم فثار القوم عليه وحاصروا بيته، فذهب اليه امير المؤمنين وحاول نصحه في اصلاح الوضع وكان مما قاله له في خطبته المذكورة في نهج البلاغة تحت رقم ١٦٣ ما يلي:

فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ عَادِلٌ، هُدِيَ وَهَدَي، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً، وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعلاَمٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلاَمٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً، وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً.

وَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: «يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالاْمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلاَ عَاذِرٌ، فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى، ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا{اي يحبس في الاغلال}».
وَإِني أَنْشُدُكَ اللهَ أنْ تَكُونَ إِمَامَ هذِهِ الاْمَّةِ الْمَقْتُولَ{اي لا تكن كذلك}، فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: يُقْتَلُ فِي هذِهِ الاْمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلى يَوْمِ الْقُيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلاَ يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً، وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً{اي يكونوا في حالة الهرج والمرج او الفتنة والاضطراب}.
فَلاَ تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً{اي يسوقك كما تساق الدواب}، يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلاَلَ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ).

💠(إلَى أَنِ انْتَكَثَ فَتْلُهُ،{اي انتقض عليه فعله}، وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ{اي تمم قتله بسبب سوء عمله}، وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ {كبت به من كبابة الجواد او عثرته، والبطنة هي التخمة الحاصلة من البطر والاشر}


وللشرح تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com