نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر 9

 

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:

(يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَينَكَ وَبَينَ غَيرِكَ، فَأَحبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ وَإِنْ قَلَّ مَا تعْلَمُ، وَلاَ تَقُلْ مَا لاَ تُحِبُّ أَنْ يُقَالَ لَكَ).

كثير من الناس يطغى عليهم حب الذات والانا فلا تكون احكامهم وتعاملهم مع الناس الا بمقدار المصلحة الذاتية والمكاسب المصلحية ومن هنا ينبّه الامام ع الى الميزان الصحيح للتعامل مع الناس وهو ان يخرج الانسان من انانيته وحبه لنفسه فقط فيتعامل معهم بميزان المشاركة الإنسانية فيحبّ لغيره ما يحبه لنفسه ويكره لهم ما يكرهه لنفسه، فهو كما يحب العدل والانصاف عند تعامل الاخرين معه، وكما يكره الظلم والبخس لحقه كذلك ينبغي عليه ان يتعامل مع غيره بذات المعيار فان ذلك مدعاة لصفاء النفس واشاعة المحبة وحسن التعامل بين الناس، كما يشمل ذلك الحديث عن الاخرين ووصفهم فلا ينبغي القول فيهم مالا بما لا يحب الانسان ان يقال فيه وهو ما بينه الله بقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، {اي يعيب بعضكم بعضا}، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ {اي يدعوا بعضكم بعضا بلقب يكرهه}، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ].

(وَاعلَمْ، أَنَّ الاْعجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الاْلْبَابِ {اي العلة المهلكة للعقول})

من علامات العقل وحسن الايمان ان يعرف الانسان قدره، ويعرف انه فوق كل ذي علم عليم، وانه ما ناله من التوفيق في تحصيل ما يريد انما كان ذلك بفضل الله وعونه وتيسيره، ولذا فان اعجاب الانسان بنفسه هو بداية للعلو والتكبر والبعد عن الله كما كان من فعل ابليس عندما أمره الله بالسجود لآدم فاستكبر وهو ما اوضحه الله بقوله:[قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ، خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا، فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ]،

(فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ {اي في سعيك الشديد لتحصيل ما ينفعك في الاخرة}، وَلاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ {اي تجمع المال ليأخذه الوارثون من بعدك}، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ {اي وفقت في سعيك} فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ).

فسعي الانسان في الدنيا او كدحه فيها مالم يكن للأخرة فان سعيه في ضياع وخسران، فالمال الذي جمعه والثروة والُملك وكل ما ناله في الدنيا للدنيا سيتركه على تراب الدنيا ويذهب فقيرا الى ربه ليس له شيء غير العمل الذي يجزى بموجبه في القيامة، فهو في حقيقة ما يتركه في الدنيا انما هو خازن فيه للورثة، فان كانوا من الاخيار واستعملوه في طاعة الله فثوابه لهم واما ان كانوا من الفسقة واستعملوه في المعاصي فإثمه عليهم وتبعات المال الذي اكتسبه عليه، قال تعالى في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ،فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ {وهو الكافر حيث تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه}، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا {اي ينادي بالشر والهلاك}، وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا].

� (وَاعلَمْ، أَنَّ أَمَامَكَ طَرِيقاً ذَا مَسَافَة بَعِيدَة، وَمَشَقَّة شَدِيدَة، وَأَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ فِيهِ عَنْ حُسْنِ الاِرْتِيَادِ {اي حسن انتخاب الطريق}، وَقَدْرِ بَلاَغِكَ مِنَ الزَّادِ {اي ما يكفيك للوصول الى مقصدك}، مَعَ خِفَّةِ الظَّهْرِ، فَلاَ تَحْمِلَنَّ عَلَى ظَهْرِكَ فَوْقَ طَاقَتِكَ، فَيَكُونَ ثِقْلُ ذلِكَ وَبَالاً عَلَيْكَ، وَإِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَهْلِ الْفَاقَةِ {اي الحاجة} مَنْ يَحْمِلُ لَكَ زَادَكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَمِّلْهُ إِيَّاهُ)

فحينما يغادر الانسان الدنيا ويذهب الى عالم البرزخ والذي يمكث فيه ما شاء الله من الزمن الطويل حتى يميت الله الخلق جميعا ثم يبعثهم حين يشاء لحساب يوم القيامة وهو يوم صعب شديد قال الله عنه:
[يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]، وقال عنه كذلك: [وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ]، مما يستوجب حسن الارتياد للطريق في الدنيا وحسن انتخاب الزاد الذي يكون نافعا في الاخرة، فلا ينبغي ان يحمل الانسان فوق طاقته مما يحاسب عليه يوم القيامة، فاذا وجد من يحمل له الزاد يوم القيامة فيأتيه به هناك في وقت الحاجة فينبغي ان يغتنم الفرصة ويحمله اياه والمراد به تقديم الصالحات لأهلها لتكون له زاد في الاخرة.

(وَأَكْثِرْ مِنْ تَزْوِيدِهِ وَأَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَعَلَّكَ تَطْلُبُهُ فَلاَ تَجِدُهُ، وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حَالِ غِنَاكَ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ في يَوْمِ عُسْرَتِكَ).

ففرص العمل الصالح قد لا تكون موجودة متى ما يشاء المرء في تقلبات الدنيا وتغيراتها وما يجري به قضاء الله وقدره من العمر ولذا ينبغي المبادرة الى العمل الصالح وعدم تأخيره، قال تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ]

وللوصية تتمة

نهج البلاغة خطبة٣١

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com