نور من نهج البلاغة   خلاصة العمر 5

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:

💠 (وَدَعِ الْقَوْلَ فِيَما لاَ تَعرِفُ، وَالْخِطَابَ فِيَما لَمْ تُكَلَّفْ)

للكلام مسئولية اخلاقية ودينية تترك اثرا على القائل وعلى المستمع ولذا حذّرت الآيات القرآنية والروايات عن المعصومين من تبعاته واثاره، وبيّنت ان الكلام الذي يصدر من الانسان سوف يكون محاسبا عليه في يوم القيامة كما في قوله تعالى: [إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللهِ عَظِيمٌ]، بل ان التحذير اعم من ذلك حيث اشتمل على اللسان والسمع والبصر باعتبارهم المدخل الى القلب وما يتركه ذلك من اثار ايمانية عليه عند استعمالها في موارد الطاعة، او بالعكس عند استعمالها في موارد المعصية، حيث ينبغي للمؤمن مراقبة نفسه وجوارحه كما في قوله تعالى: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا]، فلا ينبغي الكلام فيما لا يعرفه المرء من الموضوعات ولا نقل الاحاديث التي بلغت سمعه من دون تحقيق ومعرفة لمصدرها، وقد يكون من المناسب هنا توضيح مدى التبعات التي يتحملها الناقل للرسائل التي تصله عبر بريده الالكتروني الى الاخرين من دون معرفة وتحقيق اذ ان نقل الاحاديث المكذوبة عن النبي واهل بيته ونشرها يعتبر كذبا وافتراء عليهم يستحق ناقلها عقوبة الله في الدنيا والاخرة وخاصة ما ينسب الى امير المؤمنين من الابيات الشعرية او الاحاديث المكذوبة بعنوان الحكمة والتي لم تصدر عنه ولذا ينبغي الاحتياط والحذر من ذلك.

💠 (وَأَمْسِكْ عَنْ طَرِيق إِذَا خِفْتَ ضَلاَلَتَهُ، فَإِنَّ الْكَفَّ عِنْدَ حَيْرَةِ الضَّلاَل خَيْرٌ مِنْ رُكُوبِ الاْهْوَالِ)

فمن يسير في طريق لا يعرف نهايته فانه يعرض نفسه للخطر وخاصة اذا كان الموضوع يتعلق بأمر من امور الاخرة، فعمل الانسان من دون بيّنة وهدى تجعله يسير في طريق يبعده عن الله ولذا ينبغي للمؤمن ان يتوقف عند الحيرة حتى يتبين له الامر فذلك خير له من السير في طريق لا يعرف عاقبته فالمؤمن مطالب بالبصيرة اولا كما في قوله تعالى: [قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي].

💠 (وَأمُرْ بالْمَعرُوفِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَنْكِرِ المُنكَرَ بِيَدِكَ وَلِسَانِكَ، وَبَايِنْ {اي باعد وجانب} مَنْ فَعَلَهُ بِجُهْدِكَ، وَجَاهِدْ فِي اللهِ حَقَّ جَهَادِهِ، وَلاَ تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئم).

فمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بالقول والعمل وابتغاء لمرضاة الله فانه يكون محاطا برحمة الله وفضله لما يتركه من اثر فردي واجتماعي ولذا جعله الله من الفرائض كما في قوله: [وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]، وفي قوله كذلك: [الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ].

💠 (وَخُضِ الْغَمَرَاتِ {اي الشدائد} إلَى الحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ، وَنِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُّرُ).

فالعمل هو الكاشف الحقيقي عن مدى الاعتقاد وعمقه الا انه لابد وان يعتمد على العلم لئلا يكون سبيلا للانحراف والخسارة والتي بينها الله في سورة العصر بقوله: [والعصر، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ {اي وصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق}، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ].

💠 (وَأَلْجِىءْ نَفْسَكَ فِي الاُمُورِ كُلِّهَا إِلَى إِلهِكَ، فَإِنَّكَ تُلجِئُهَا إِلَى كَهْف حَرِيز {اي ملجأ حافظ}، وَمَانِع عَزِيز، وَأَخْلِصْ فِي الْمَسْأَلَةِ لِرَبِّكَ، فَإِنَّ بِيَدِهِ الْعَطَاءَ وَالْحِرْمَانَ).

فحقيقة الايمان تستدعي ان لا يغفل المؤمن عن علاقته الوثيقة بالله جلّ جلاله الذي خلقه وخلق الكون كله، فلا يغفل عن ذكره ومسالته فان الامور كلها بيده.

💠 (وَأَكْثِرِ الاسْتِخَارَة  {اي إجالة الرأي في الامر قبل فعله لاختيار أفضل الوجوه}، وَتَفَهَّمْ وَصِيَّتِي، وَلاَ تَذْهَبَنَّ عَنْكَ صَفْحاً {اي تتركها جانبا}، فَإِنَّ خَيْرَ الْقَوْلِ مَا نَفَعَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ خَيْرَ فِي عِلْم لاَ يَنْفَعُ، وَلاَ يُنْتَفَعُ بِعِلْم لاَ يَحِقُّ تَعَلُّمُهُ).

فقيمة العلم ومنزلته هو بمقدار ما يقرب الانسان من ربه والا فانه يعتبر وسيلة لضياعه وحجبه عن نور الله ورحمته


نهج البلاغة خطبة ٣١

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com