نور من نهج البلاغة   خلاصة العمر   4

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن والتي تناولت الحلقة السابقة شرح بعض منها وتحتاج الى مزيد من الايضاح حيث قال ع:

(وذللـه بِذِكْرِ الْمَوْتِ، وَقَرِّرْهُ بِالْفَنَاءِ، وَبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا {اي مصائبها}، وَحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وَفُحشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي وَالاْيَّامِ)

لعل من اهم الظواهر البيّنة التي تقيم الدليل على خلق الانسان ولا يستطيع احد انكارها هو حدوث الموت للبشر، وان كان كل شيء يدل على وجود الله لمن يتأمل في الحياة وما فيها من عجائب خلق الله وتدبيره لأمور خلقه، الا ان الموت يمثل ظاهرة مهمة ترهب الانسان عند فقد الاخرين وتجعله يشعر ان الامور خارجة عن قدرته وان هناك خالقا له الأمر والارادة العليا في شؤون خلقه، ولذا يرهب كثير من الناس التطرق الى الموت او التفكير فيه بخلاف ما تدعو اليه الآيات القرآنية والاحاديث الشريفة عن المعصومين والادعية الواردة عنهم، ومن ذلك ما ورد عن الامام زين العابدين في صحيفته المباركة حيث قال:

(أَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاكْفِنَا طُـولَ الامَـلِ، وَقَصِّرهُ عَنَّا بِصِدقِ الْعَمَلِ، حَتَّى لا نُأَمِّلَ اسْتِتْمَامَ سَاعَة بَعْدَ سَاعَة، وَلاَ اسْتِيفَاءَ يَوْم بَعْدَ يَوْم، وَلاَ اتِّصَالَ نَفَس بِنَفَس، وَلا لُحُـوقَ قَدَم بِقَـدَم، {اي ان الفارق بين من يطيل الامل في الحياة وبين من يحسب حساب الموت هو توقع حدوث الموت في اي لحظة فما اكثر الحوادث والبلايا التي تحدث فجأة ومن دون مقدمات كالزلازل والعواصف المدمرة والتسونامي وثورات البراكين وغير ذلك من الكوارث الطبيعية التي لم يحتسبها الانسان هذا عدا انتشار الامراض الخطيرة والسكتات الدماغية والقلبية وامثال ذلك من الحوادث المفاجئة التي تنهي الحياة او ما يحدث من الحروب والاحداث التي تسوق الانسان الى اجله والتي ظاهرها او بداياتها لا تحمل هذا المعنى فهكذا يأتي الموت فجأة وهو ما يجعل المؤمن الواعي لهذه الحقائق ان لا يؤمل انتهاء يوم بعد يوم او ساعة بعد ساعة او اتصال نفس بعد نفس}،

وَانْصِبِ المَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْباً، وَلاَ تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبّاً {اي في اوقات متباعدة، حيث ينبغي ان يكون ذكر الموت حاضرا في القلوب كما ورد في استحباب الدعاء في اول كل يوم عند الاستيقاظ ان يقول المؤمن: الحمد لله الذي احياني بعد ما اماتني واليه النشور}،

وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ صَالِحِ الاعْمَالِ عَمَلاً نَسْتَبْطِئُ مَعَهُ الْمَصِيرَ إلَيْكَ، وَنحْـرِصُ لَهُ عَلَى وَشْكِ اللِّحَاقِ بِكَ، {اي في ذات الوقت الذي يحب المؤمن طول العمر للاستزادة من العمل الصالح هو يرجو ان يلحقه الله سريعا بأفواج السابقين الى مراضيه والفائزين بجنته}،

حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ مَأنَسَنَا الَّذِي نَأنَسُ بِهِ، وَمَألَفَنَا الَّذِي نَشْتَاقُ إلَيْهِ، وَحَامَّتَنَا الَّتِي نُحِبُّ الدُّنُوَّ مِنْهَا {الحامة هو الشيء القريب من القلب كالاهل والاحبة}،

 فَإذَا أَوْرَدْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنْزَلْتَهُ بِنَا فَأسْعِدْنَا بِهِ زَائِراً، وَآنِسْنَا بِهِ قَادِماً، وَلاَ تُشْقِنَا بِضِيافَتِهِ، وَلا تُخْزِنَا بِزِيارَتِهِ، وَاجْعَلْهُ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ مَغْفِرَتِكَ، وَمِفْتَاحاً مِنْ مَفَاتِيحِ رَحْمَتِكَ.

أَمِتْنَا مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ {فكم من المسلمين كانت بدايته حسنة ثم كان من المحاربين لأنبيائه وحججه المعصومين}،

طائِعِينَ غَيْرَ مُسْتَكْرِهِينَ {اي تكون الطاعة لله عن رغبة ومعرفة وتوجه قلبي لرضا الله}،

تَائِبينَ غَيْرَ عاصِينَ وَلا مُصِرِّينَ، يَا ضَامِنَ جَزَاءِ الْمُحْسِنِينَ، وَمُسْتَصْلِحَ عَمَلِ الْمُفْسِدِينَ).

ومن اجل هذا كانت كثير من ادعية امير المؤمنين ع تنبه الى الموت والاستعداد له كما في خطبته التي يقول فيها:
(فَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُرْفَعُ، وَالتَّوْبَةُ تَنْفَعُ، وَالدُّعَاءُ يُسْمَعُ، وَالْحَالُ هَادِئَةٌ، وَالاْقْلامُ جَارِيَةٌ، وَبَادِرُوا بِالاْعْمَالِ عُمُراً نَاكسِاً، أَوْ مَرَضاً حَابِساً، أَوْ مَوْتاً خَالِساً، فَإِنَّ الْمَوْتَ هَادِمُ لَذَّاتِكُمْ، وَمُكَدِّرُ شَهَوَاتِكُمْ، وَمُبَاعِدُ طِيَّاتِكُمْ (اي منازل اسفاركم للأخرة)،الى ان يقول: فَعَلَيْكُمْ بِالْجِدِّ وَالاجْتِهَادِ، وَالتَّأَهُّبِ وَالاسْتِعْدَادِ، وَالتَّزَوُّدِ فِي مَنْزِلِ الزَّادِ، وَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الدُّنْيَا كَمَا غَرَّتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الاْمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، الَّذِينَ احْتَلَبُوا دِرَّتَهَا {اي لبنها}، وَأصَابُوا غِرَّتَهَا {اي غفلتها}، وَأَفْنَوْا عِدَّتَهَا، وَأَخْلَقُوا جِدَّتَهَا، أَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ أَجْدَاثاً {اي قبورا}، وَأَمْوَالُهُمْ مِيرَاثاً، لاَ يَعْرِفُونَ مَنْ أَتَاهُمْ، وَلاَ يَحْفِلُونَ مَنْ بَكَاهُمْ، وَلاَ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُمْ).


نهج البلاغة خطبة ٢٢٩

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com