نور من نهج البلاغة   خلاصة العمر    2
 

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين في كتاب قال فيه:

💠 (أَمَّا بَعدُ، فَإِنَّ فِيَما تَبَيَّنْتُ مِنْ إِدْبَارِ الدُّنْيَا عَنِّي، وَجُمُوحِ الدَّهْرِ عَلَيَّ {اي غَلَبَته على حالي}، وَإِقْبَالِ الاْخِرَةِ إِلَيَّ، مَا يَزَعُنِي {اي يكفّني ويصدّني} عَنْ ذِكْرِ مَنْ سِوَايَ، وَالاْهْتِمامِ بِمَا وَرَائِي {اي الاهتمام بالأخرة التي تبدأ بعد الموت}).
فكل من يمضي به العمر يلاحظ الفرق بين ما اصبح فيه وما كان عليه من قبل وخاصة عند رؤية الاطفال الذين نمت اجسادهم وعقولهم وتغيرت احوالهم وهم يقطعون مراحل الطفولة او مراحل الشباب فالعمر يترك اثره على الانسان ويحرمه من بعض امتيازات الشباب وخاصة بعد تجاوز الاربعين الذي يعتبر نهاية القوة والشدة في البدن وان كان ذلك لا يظهر للعيان ولكن لو اجرى الانسان كشفا طبيا مختبريا عن تركيبة الدم والخلايا ووهن العظم والاجزاء الداخلية للبدن لوجد اختلافا بينه وبين ما مضى من العمر وهو ما اوضحه الله في كتابه بقوله: [حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي]، وذلك ما اشار اليه الامام في وصيته من جموح الدهر واقبال الاخرة ما يجعله ينصرف عن ذكر الاخرين والاشتغال بشؤون الاخرة والاعداد لها قبل حلول الموت.

💠 (غَيْرَ أَنِّي حَيْثُ تَفَرَّدَ بِي دُونَ هُمُومِ النَّاسِ هَمُّ نَفْسِي، فَصَدَفَنِي رَأْيِي {اي مال برأيي عن الاهتمام بما سبق}، وَصَرَفَنِي عَنْ هَوَايَ، وَصَرَّحَ لِي مَحْضُ أَمْرِي {اي خالصه وما سيكون عليه في غد او بعد الموت}، فَأَفْضَى بِي إِلَى جِدّ لاَ يَكُونُ فِيهِ لَعِبٌ، وَصِدْق لاَ يَشُوبُهُ كَذِبٌ).

فحين يتأمل الانسان بحاله بعد الكبر فانه ينصرف عن الهوى ولهو الدنيا ويفكر في الموت بجد واهتمام فهو أمر لا لعب فيه وصدق لا يشوبه شك فالموت حق ولابد من وروده .

💠 (وَوَجَدْتُكَ بَعضِي، بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي، حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي، وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي، فَعَنَانِي مِنْ أَمرِكَ مَا يَعنِيني مِنْ أَمرِ نَفْسِي، فَكَتَبْتُ إِليْكَ كِتَابِي هَذا، مُسْتظْهِراً بِهِ {اي مستعينا به} إِنْ أَنا بَقِيتُ لَكَ أَوْ فَنِيتُ).
فحين يفكر الانسان بالمستقبل ينتقل تفكيره الى اهله واحبته خصوصا لمن يكون محلا للاعتماد في حمل المسؤولية اذ هو يكون امتداد للإنسان في حياته وبعد مماته ولذا يكون في موضع العناية والاهتمام والرعاية.

💠 (فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ ـ أَيْ بُنيَّ ـ وَلُزُومِ أَمْرِهِ، وَعِمَارَةِ قَلْبِكَ بِذِكْرِهِ، وَالاْعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ، وَأَيُّ سَبَب أَوْثقُ مِنْ سَبَب بَيْنكَ وَبَيْنَ اللهِ عَزّ وَجَلَّ إِنْ أَنْتَ أَخَذْتَ بِهِ)

فأول وصايا الامام لولده هو الالتزام بالتقوى او الامتناع عن المعاصي والذنوب والتي تكون مانعا للفيض الالهي وحاجبا بين العبد وربه وهي وصية الله بقوله: [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]، ولذا ينبغي احياء القلب بذكر الله وعدم الغفلة عنه كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا]، ثم الاعتصام بحبله فيما أرسل من الكتب لعباده وبعث من الانبياء والحجج المعصومين من اولياءه ليكونوا الدليل اليه والوسيلة الى رضوانه فمن دون ذلك يضيع الناس في متاهات الحياة ويفقدون البصيرة والهدى [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا]


نهج البلاغة خطبة رقم ٣١

التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com