نور من نهج البلاغة      خلاصة العمر 21

 

عن امير المؤمنين ع في تتمة وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين ذكر في خاتمتها مجموعة من الحكم القصيرة {ولأجل الانتقال الى موضوع جديد سنختصر الشرح} حيث قال فيها :

(وَالْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ، وَخَيْرُ مَا جَرَّبْتَ مَا وَعَظَكَ)،


{اي ان قيمة العقل تتجلى بحفظ التجارب او الاعمال الماضية والاعتبار بها فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين اي لا يكرر الخطأ مرتين فقيمة الاعمال او التجارب هي في موعظتها والاستفادة منها.

(بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً).

فالفرص تنقضي سريعا او كما قيل انها تمر مر السحاب
فان لم يستفد منها المرء في وقتها فان ذهابها يترك غصة في القلب لضياعها وعدم الاستفادة منها وقد كان بالإمكان ذلك.

(لَيْسَ كُلُّ طَالِب يُصِيبُ، وَلاَ كُلُّ غَائِب يَؤُوبُ).

بمعنى ان سعي الانسان قد لا يكون مثمرا في تحقيق الهدف الذي يريده فالأقدار الالهية تسبق السعي والعمل، والمراد هو التسليم لله في ارادته وأمره.

(وَمِنَ الْفَسَادِ إِضَاعَةُ الزَّادِ، وَمَفْسَدَةُ الْمَعَادِ، وَلِكُلِّ أَمر عَاقِبَةٌ).

فكما هو معلوم ان خلق الانسان لم يكن عبثا حيث يحاسب في القيامة على عمله الدنيوي ليكون الجزاء وفقه[وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] وقد أمر سبحانه بالتزود بالتقوى بقوله:[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]، فمن جهل الانسان اضاعته للزاد في وقت الحاجة اليه ليبوء بسوء العاقبة.

(سَوْفَ يَأْتيِكَ مَا قُدِّرَ لَكَ).

وهو ما يعني عدم الغفلة عن التقديرات الالهية في الحياة كما في قوله تعالى: [الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ].

(التَّاجِرُ مُخَاطِرٌ).

اي ان طبيعة العمل التجاري تقتضي المخاطرة ليكون الربح اكبر بخلاف الاعمال الوظيفية الثابتة التي يكون لها دخل معلوم

(وَرُبَّ يَسِير أَنْمَى مِنْ كَثِير).

اي ان المال الحلال تكون بركته اكبر واوسع اثارا في الدنيا والاخرة حتى وان كان قليلا مقداره [وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ].

(لاَ خَيْرَ فِي مُعِين مَهِين) {اي حقير}، وَلاَ فِي صَدِيق ظَنِين {اي متهم}.

اي ان من كان مهينا او حقيرا بين الناس لسلوكه او لأخلاقه او لصفاته السيئة كمثل كونه ممن يرتكب المحرمات والفواحش او معروفا بفعل السيئات فينبغي اجتناب عونه ومساعدته فلا خير فيه، كما ينبغي اجتناب الصديق الظنين او من كان في موضع التهمة فلا يمكن الوثوق به والاطمئنان اليه.

(سَاهِلِ الدَّهْرَ مَا ذَلَّ لَكَ قَعُودُهُ، وَلاَ تُخَاطِرْ بِشَيء رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْهُ)

اي خذ حظك من الدهر او العمر ما دامت ظروفه مواتية لك فانك لا تعلم ماذا يحدث غدا كما في قوله تعالى: [لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا]، كما ان المخاطرة بما هو موجود فعلا رجاء الحصول على ما هو افضل منه هو عمل غير محمود والذي قد يكون بسبب الطمع او الطيش.

(وَإِيَّاك أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ).

اي ان الالحاح في الخصومة بما يجرح المقابل من الاقوال والافعال هو من الامور المذمومة والتي قد تدفع المقابل الى العدوان والتصرفات الطائشة وخاصة اذا كان معقدا او معاندا.

(احمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرمِهِ {اي قطيعته} عَلَى الصِّلَةِ، وَعِنْدَ صُدُودِهِ {اي هجره} عَلَى اللَّطَفِ وَالْمُقَارَبَةِ، وَعِنْدَ جُمُودِهِ {اي بخله} عَلَى الْبَذْلِ، وَعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ، وَعِنْدَ شِدَّتِهِ {اي غضبه وانفعاله} عَلَى اللِّينِ، وَعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ {اي التماس العذر له}، حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعمَة عَلَيْكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذلِكَ فِي غَيرِ مَوْضِعِهِ، أَوْ أَنْ تَفْعَلَهُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ)

وهذا الجزء من الوصية هو من الوصايا المهمة في العلاقات الاجتماعية والاخوية التي تشدّ اواصر الاخوة وتبعد كيد الشيطان ونزغه، حيث توصي بسعة الصدر وترك التعامل بالمثل، فقد تمر على الصديق او الاخ ظروف صعبة اما من خلال تعرضه لضغوط داخلية او خارجية، او من خلال اخبار بلغته عنك سوّل له الشيطان فيها قطع علاقته بك، ولذا يوصي ع في استعمال الاخلاق العالية في التعامل الاخوي وترك المعاملة بالمثل حيث يكون ذلك سببا لقطع المؤثرات الشيطانية فيوصي ع بوصل العلاقة الاخوية عند قطعها من قبل الاخر، اذ ان وصل العلاقة يزيل كيد الشيطان، كما ينبغي الملاطفة والمقاربة عند صدود الاخ وهجرانه، ولأجل ازالة الجفوة في الطبع والبخل من المقابل فإنه ينبغي البذل له في دعوته الى وليمة مثلا او تحمّل النفقة عنه في دعوته، او اهداء هدية له فان الهدايا تقرّب القلوب كما ورد في حديث النبي ص (تهادوا تحابوا)، وفي رواية اخرى قال:( تهادوا فان الهدية تذهب وحر الصدر" اي غيظ القلب وحقده ")، كما اوصى ع بالدنو او التقرّب من الاخ عند ابتعاده وقلّة زيارته، واللين معه عند غضبه وخشونته، كما ينبغي التماس العذر له عند خطأه او تصرفه السيء، حتى وكانه هو السيد وانت العبد له وهو من اعلى المكارم الاخلاقية. ثم حذر ع من وضع هذه المكارم الاخلاقية مع غير اهلها الذين يستغلون الطيبة لتحقيق مقاصدهم السيئة


💠 لاَ تَتَّخِذَنَّ عَدُوَّ صَدِيقِكَ صَدِيقاً فَتُعَادِيَ صَدِيقَكَ

فمن المعلوم ان اكثر الناس لا يتحملون ان يجمع الصديق بينهم وبين عدوهم في العلن وهو ما يستوجب الحكمة والوقوف مع الصديق.

(وَامْحَضْ أَخَاكَ النَّصِيحَةَ، حَسَنةً كَانَتْ أَمْ قَبِيحَةً)

فمن حق الاخوّة ان يخلص المؤمن في نصيحته لأخيه ملتمسا بذلك وجه الله ورضاه.

(وَتَجَرَّعِ الْغَيْظَ {اي الغضب الشديد}، فَإِنِّي لَمْ أَرَ جُرْعَةً أَحلَى مِنْهَا عَاقِبَةً، وَلاَ أَلَذَّ مَغَبَّةً {اي عاقبة}، وَلِنْ لِمَنْ غَالَظَكَ {اي عاملك بغلظ وخشونة}، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَلِينَ لَكَ).

فالخشونة والغضب والجدل يجر الى ابتعاد المقابل عن الموضوعية في حين ان اللين والرفق يجعل الاخر يلين لك ويقابلك بنفس اسلوبك

(وَخُذْ عَلَى عَدُوِّكَ بِالْفَضْلِ فإِنَّهُ أَحْلَى الظَّفَرَيْنِ، وَإِنْ أَرَدْتَ قَطِيعَةَ أَخِيكَ فَاسْتَبْقِ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً يَرْجِعُ إِلَيْهَا إِنْ بَدَا لَهُ ذلِكَ يَوْماً مَا)،

بمعنى ان الفضل هو في العفو وعدم العقوبة بالمثل وعدم قطع العلاقة مع الاخ بشكل كلي بل ابقاء شيء للعودة مع تغير الاحوال والاوقات

(وَمَنْ ظَنَّ بِكَ خَيْراً فَصَدِّقْ ظَّنهُ، وَلاَ تُضِيعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالاً عَلَى مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ)


نهج البلاغة خطبة رقم ٣١

والى هنا ينتهي الشرح وان كان للوصية بقية وذلك لاجل الدخول في موضوع اخر والحمد لله رب العالمين

🌿مع اطيب التحيات من🌿
       نبيل شعبان

 

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com