نور من نهج البلاغة   خلاصة العمر  1

 

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم صفين قال فيها:

(مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ)

كل انسان يحب ان ينقل لأحبته خلاصة عمره لكي يستفيدوا منها فيما ينفعهم في الدنيا والاخرة ومن هنا يلفت امير المؤمنين ولده الى جملة من الحقائق في هذه الوصية التي لا تقدر بثمن مبتدئا كلامه بالحديث عن الفناء الذي يصيب الانسان في الدنيا بقوله: (مِنَ الْوَالِدِ الْفَانِ، الْمُقِرِّ لِلزَّمَانِ)، اي ان مرور الزمان يضعف قدرة الانسان ويذهب بقوته وشبابه وعافيته وما انعم الله عليه من امكانية وقدرة في سابق عمره، فما كان يستطيع فعله بالأمس يضعف عنه اليوم او يعجز عنه وهو ما يستدعي الانتباه الى فترة الشباب والاستفادة منها قبل ان يأتي المشيب والكبر.

(الْمُسْتَسْلِمِ لِلدَّهْرِ الْمُدْبِرِ الْعُمُرِ)

فكلما مر يوم من العمر نقص يوما من الأجل المضروب للإنسان في الدنيا فمدة العمر عند الله ثابتة لكل فرد منذ خلقه كما في قوله تعالى: [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا، وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ]، فما الدنيا الا مرحلة من العمر وقنطرة الى الاخرة.

(الذَّامِ لِلدُّنْيَا، السَّاكِنِ مَسَاكِنَ الْمَوْتَى، الظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً).

فحقيقة الدنيا انها عناء وتعب كما قال الله في كتابه: [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ]،اي في معاناة وتعب ثم يرحل عنها الى مساكن الموتى في القبور تحت الثرى فهكذا شاء الله ان تكون الدنيا دارا للابتلاء والاختبار وليست دارا للجزاء.

(إِلَى الْمَوْلُودِ الْمُؤَمِّلِ مَا لاَ يُدْرَكُ، السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ).

فآمال الانسان في الدنيا لا تنتهي فكلما وصل الى غاية او نهاية حدثته نفسه ببداية اخرى وهكذا يستمر تواصل الأمل في الحياة حتى تأتي ساعة الموت فيجد الراحل للأخرة ان اهداف الحياة كانت سرابا الا لمن عمل لدار القرار كما اوضحه الله بقوله: [إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ].

(غَرَضِ الاْسْقَامِ، رَهِينَةِ الاْيَّامِ، وَرَمِيَّةِ الْمَصَائِبِ).

فالإنسان في الدنيا لا يستطيع ان يفعل كل ما يريد بل هو مقيّد بقيود الخلق الالهي والتي يعكسها القضاء والقدر فهو كالغرض او الهدف الذي ترمى اليه سهام الابتلاءات المختلفة في الحياة، ومنها سهام الاسقام والامراض، فهو قبضة الايام ورهين لها وهو محل لرمية المصائب التي تصيبه من كل الاتجاهات.

(وَعَبْدِ الدُّنْيَا، وَتَاجِرِ الْغُرُورِ، وَغَرِيمِ الْمَنَايَا، وَأَسِيرِ الْمَوْتِ)

فالإنسان في الدنيا خاضع لضغوط الدنيا ومنقاد لضروراتها وانشغالاتها حتى كأنه عبد لها لا يستجيب الا لمطالبها فهو مغرور بزينتها ولهوها الا انه في واقع أمره هو غريم المنايا او خصم الموت الذي يطلبه كما يطلب المدين صاحبه فهو أسير الموت الذي لا يستطيع منه الفرار.

(وَحَلِيفِ الْهُمُومِ، قَرِينِ الاْحْزَانِ، وَنُصبِ الاْفَاتِ، وَصَرِيعِ الشَّهَوَاتِ، وَخَلِيفَةِ الاْمْوَاتِ).

فالإنسان في الحياة الدنيا بما اشتملت عليه من الابتلاءات والتقلبات، انما يكون في حقيقة الامر حليف الهموم او ملازم لها، وقرين الاحزان او مصاحب لها، ونُصب الآفات او مركز لها فلا تفارقه العلل والمصائب والشدائد، فالدنيا ليس فيها راحة وانما هي محلا للامتحان والاختبار او كما قال الله عنها [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ] .

نهج البلاغة خطبة رقم ٣١

التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com