نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر   19

عن امير المؤمنين ع في تتمة وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين ذكر في خاتمتها مجموعة من الحكم القصيرة حيث قال:

💠 (قَارِنْ أهْلَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْهُمْ، وَبَايِنْ أَهْلَ الشَّرِّ تَبِنْ عَنْهُمْ)

المقارنة للأخرين هو الاختلاط بهم والتشبّه بهم في السلوك والعمل، فحين يرافق المؤمن اهل الخير ويصاحبهم ويشاركهم في اعمالهم وسلوكهم فانه يكون قد وضع قدمه في طريق الخير والهدى، فاذا كان من يخالطهم من اهل العلم والدين فانهم سوف يقودوه الى التفقه في الدين والبصيرة في كتاب الله وحججه المعصومين ليكون ذلك وسيلة الى هدى الله والقرب منه كما في قوله تعالى: [يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ]، وحينما يباين اهل الشر او يغايرهم في اعمالهم واقوالهم وافعالهم ومسلكهم فانه يكون مختلفا عنهم، وهو ما بينه الله في كتابه بقوله: [مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ، رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ، تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ، ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ، {اي كزرع اخرج فروعه في اول نبته, " فآزره" اي فقواه بحسن الرعاية، "فاستغلظ" اي غلظ نباته، "فاستوى" اي قوي واستقام، "على سوقه" اي على ساق النبتة او جذرها وفروعها النامية}، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ، لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ، وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم، مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]

💠(بِئْسَ الطَّعَامُ الْحَرَامُ)

فلو علم الانسان الاثار السلبية للطعام الحرام وما يتركه عليه من بعد عن الله في سلوكه واعماله وتصرفاته، على ان ذلك لا يشمله وحده بل تنتقل اثاره الى اهله وولده وذريته في ابدانهم وتوجهاتهم الايمانية، لاجتنب الطعام الحرام وتحاشاه، هذا في الدنيا، اما يكون في الاخرة فالمصيبة اعظم حيث يسأل يوم القيامة عن ماله من اين اكتسبه وفيما انفقه وما يترتب على ذلك من العقوبات الالهية الشديدة والتي افاضت بها مصادر الحديث الشيعية والسنية، فعن الامام محمد الباقر (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لا يزال قدم عبد يوم القيامة واقفاً حتى يُسأل عن أربع ، عُمرك فيم أفنَيته ، وجَسدك فيم أبليَته ، ومالك من أين اكتسبته وأين وضعته ، وعن حبنا أهل البيت (ينابيع المودة ص١١٥)

كما ورد عن الامام علي الرضا، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال : اذا كان يوم القيامة لم تزل قدَما عبد حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفي ماذا أنفقه ، وعن حبنا أهل البيت (الحموي فرائد السمطين ج٢ ص١١٣)

كما ورد عن الترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه واله وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وفيما أنفقَهُ “.

وهو ما يستدعي من اهل الايمان الاهتمام بموارد رزقهم والحرص على اطعام اهلهم وذويهم من الحلال الطيب، وهو ما أكده الله في كتابه بقوله: [وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ]، وكذلك قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ].

💠 (وَظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ)

فكل ظلم عاقبته سيئة في الدنيا والاخرة كما اوضحه الله في آياته وقصص انبيائه منها قوله تعالى [أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ؟ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]، كما بين جزاء الظالمين في الدنيا والاخرة بقوله: [وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]، والآيات والروايات كثيرة في ذم الظالمين، الا ان اشد الظلم وافحشه هو ظلم الضعفاء الذين لا يملكون قوة للانتصار من ظالميهم فيتوجهون الى الله ويسألوه العون والانتقام من الظالمين ولذا يكون الله هو المدافع عنهم والمنتقم لهم كما في قوله تعالى [قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ، قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]، اما عقوبات الاخرة فهي اعظم كما في قوله تعالى: [يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ]

 

وللوصية تتمة


نهج البلاغة ٣١
 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com