نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر   18

 

عن امير المؤمنين ع في تتمة وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين حيث قال في خاتمتها مجموعة من الحكم القصيرة كما يلي:

(وَالحِرفَةُ مَعَ العِفَّةِ خَيْرٌ مِنَ الغِنَى مَعَ الفُجُورِ)

كما هو معلوم ان كثير من الحرف يكون دخلها على الفرد محدودا بخلاف التجارة التي يكون ربحها كبيرا حتى قيل في الامثال: "ساعة تاجر تعدل عمر حداد"، اي ما يكسبه التاجر خلال معاملة واحدة قد تفوق ما يحصل عليه الحداد من المال في كل عمره، الا ان المقياس هو ليس كثرة المال او قلّته وانما المقياس هو ما يقرّب الانسان من ربه والذي فيه سعادة الاخرة ولذا تكون العفّة في البعد عن الطمع والبعد عن معاصي الله هي افضل من الغنى مع الفجور حيث يكون الغنى داعيا الى الحرام وسوء الحساب الا من عصمه الله في البعد عن الشهوات المحرّمة

(وَالْمَرْءُ أَحْفَظُ لِسِرِّهِ)

اي ان ابقاء السر في النفس هو أشد صوناً له من البوح به للأخرين فكما قيل ان السر اذا جاوز الاثنين {اي المتكلم والسامع} فانه لا يعدّ سرا حيث ينتقل من فرد لأخر وما يضاف له من الزيادات والتعليقات والتفسيرات التي تتفق مع الحب والكره من قبل الاخرين مما يخرجه الموضوع عن اصله ، ولذا يكون حفظ السر في النفس هو اثبت له واحفظ من الحديث به للأخرين

(وَرُبَّ سَاعِ فِيَما يَضُرُّهُ)

وهو ما يبيّن ان سعي الانسان اعتمادا على تصوراته الشخصية او على تفكيره الخاص من دون التوجه الى الله والاستعانة به فانه قد يقع في مشاكل لم يحسب حسابها فرب ساع الى عمل قد ينعكس عليه بالضرر من حيث لا يحتسب او يكون فيه أجله فإن الامور في حقيقتها وتفاصيلها وتقلباتها لا تخرج عن ارادة الله وقضائه وقدره، فكم من مشروع كان يبدوا رابحا الا ان تغير الاوضاع السياسية والاقتصادية العالمية او المحلية عدا التغيرات المناخية او العوارض الصحية الفردية المفاجئة قد ساقت الموضوع الى الفشل والخسران فما لم يكن سعي الانسان منسجما مع القضايا الدينية التي فيها التوكل والتفويض والتسليم لله فان سعيه الى ضياع وهم ما بينه سبحانه في كتابه الكريم بقوله: [قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا]، وكما قال سبحانه في مسألة الحب والبغض [وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ].

(مَنْ أَكْثَرَ أَهْجَرَ)

والمراد به ان كثرة الكلام من الانسان تجعله يهجر او يهذي بما لا ينبغي الكلام فيه من اللغو او الاحاديث التي لا قيمة ولا معنى كما يتكلم الطفل او السكران ولذا تعددت الروايات والآيات في الحديث المتزن وان الله يهدي عباده الذاكرين الى القول الطيب كما في قوله تعالى [وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ]، وان الحكمة تكون نصيب الصالحين والمتقين، [يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ]

(وَمَنْ تَفَكَّرَ أَبْصَرَ)

فمن نعم الله العظمى على الانسان هو منحه قابلية التعقل والتفكير التي تجعله يفرق عن غيره من المخلوقات وتميزه عنهم ولذا فقد ذمت آيات الكتاب من لا يستخدم عقله كقوله تعالى: [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ]، وفي قوله كذلك: [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ، قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ]، فمن تفكر في الامور ابصر حقائقها قال الله تعالى: [وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]

 

وللوصية تتمة


نهج البلاغة ٣١


 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com