نور من نهج البلاغة   خلاصة العمر  17

 

عن امير المؤمنين ع في تتمة وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين حيث قال في خاتمتها مجموعة من الحكم القصيرة كما يلي:

(وَتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ، وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ)

يتكلم الانسان بما يجري على لسانه او ما يخطر على قلبه احيانا ويصمت اخرى، ولكن اي من الحالين يمكن تدارك اثاره السلبية ؟  فمما لا شك فيه ان الكلام في مكانه وزمانه يكون له اثر على المقابل وقد يؤجر صاحبه عليه، وبخلاف ذلك يكون اللغو من الكلام الذي قد يأثم صاحبه عليه كما في قوله تعالى: [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ]، الا ان السؤال المهم هو اي من الحالين يمكن تدارك اثاره هل هو كثرة الكلام ام هو طول الصمت؟ وهو ما يرشد اليه الامام في وصيته بقوله: (وَتَلاَفِيكَ مَا فَرَطَ مِنْ صَمْتِكَ، أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ)، فالكلام هو مُلك الانسان مالم يكن قد خرج من فمه، فاذا تكلم خرج من ملكه واصبح في ملك غيره، ولذا يمكن ان يحاسب عليه او يؤاخذ به من قبل الاخرين، في حين ان الصمت يمكن ان يكون نجاة للإنسان في الدنيا والاخرة ويبعده من كثير من المواقف المحرجة، كما في قوله تعالى: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا]، ولهذا قال الحكماء: "اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب"، ثم ضرب عليه السلام مثلا فقال (وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ) والوِكَاءُ لغة هو الخيطُ الذي تُشَدُّ به الصُّرَّة أَو الكيسُ وغيرُهما لحفظ ما فيه والمراد هو ان اغلاق الفم او الصمت عن الكلام يحفظ الانسان من مؤاخذة الاخرين او من تبعات الكلام الزائد.

(وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ، وَمَرَارَةُ الْيَأْسِ خَيْرٌ مِنَ الطَّلَبِ إِلَى النَّاسِ).

قيمة الانسان تتجلى بعزته واستغنائه عن الاخرين، وهي في اصلها مستمدة من عزة الله التي لا تقارن مع عزة خلقه كما في قوله تعالى: [إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]، وفي قوله تعالى: [لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعلَىٰ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]، فكلما عفّ المؤمن عن طلب الحاجة من الناس وقنع بالذي في يديه كان أرفع شأنا عند الله وعند خلقه كما في قوله تعالى: [يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا {اي لا يلحون في طلب الحاجة}، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ]، فمن تذوق مرارة الحرمان من قضاء حاجته من الناس فانه لا يطلبها الا من الله وهو ما ورد في مضمون الدعاء من احد المعصومين بقوله عن عطاء الناس "اعطوا قليلا ومنوا كثيرا" ولذا يعتذر لله عن ذلك بقوله: "وهي زلّة من زلات الخاطين وعثرة من عثرات المذنبين" وهو ما بيّنه الامام السجاد في صحيفته في الدعاء رقم ٢٨ (في التفزّع الى الله)

بقوله: (اللَهُمَّ إنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطَاعِي إلَيْكَ، وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْـكَ، وَصَـرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتَـاجُ إلَى رِفْدِكَ، وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأيِهِ، وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يَـا إلهِيْ مِنْ اُناس طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا، وَحَاوَلُوا الارْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا، فَصحَّ بِمُعَايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَّقَهُ اعْتِبَارُهُ، وَأَرْشَدَهُ إلَى طَرِيقِ صَوَابِهِ اخْتِيارِهِ، فَأَنْتَ يَا مَوْلايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُول مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي، وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوب إلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي).

وللوصية تتمة

نهج البلغة خطبة ٣١

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com