نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر 16

عن امير المؤمنين ع في تتمة وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين حيث قال في خاتمتها مجموعة من الحكم القصيرة كما يلي:

(وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيرِكَ وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً)

العبودية في معناها الاسلامي هي حالة الانصياع لله والعمل بتكاليفه، فمن يعرف مقام الله وقدرته وهيمنته على الوجود كله، يتشرّف بكونه عبدا لله ومنتسبا اليه بالعبودية اذ هي تعني الحرية من هيمنة الشياطين واضلالهم كما في قوله تعالى: [لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا]، فالحرية الانسانية هي هبة ربانية تستمد قوتها من معرفة الله وعبادته ولذا لا ينبغي التفريط بها بالخضوع لأفكار الاخرين واهوائهم والتي تمثل في حقيقتها الخضوع لكيد الشيطان واضلاله، وانما ينبغي القول كما قال الانبياء والصالحون: [قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ].

(وَمَا خَيرُ خَير لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِشَرٍّ، ويُسْر لاَ يُنَالُ إِلاَّ بِعُسْر).

فمن يتصور ان الخير هو في اتباع الطواغيت والمستكبرين بما قد يناله من الأجر الدنيوي على مماشاتهم والانصياع لهم، انما هو على وهم عظيم لما يترتب على ذلك من النتائج الدنيوية والاخروية كما بين الله في كتابه بقوله: [فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ]، فحساب الله يشمل جميع اعمال الانسان وخصوصا ما صدر منه من الشرور والاذى للأخرين.

(وَإِيَّاكَ أَنْ تُوجِفَ {اي تسرع} بِكَ مَطَايَا الطَّمَعِ {وهي ما يُركب ويمتطى من الدواب او الوسائل للوصول الى المقصد}، فَتُورِدَكَ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ).

والمنهل هو مكان الشرب او مورده والذي يكون سببا لموت الانسان وهلاكه عندما يكون فيه بعض المواد السامة المتأتية من مرور الماء على ما يجعله ساما، والمراد هو بيان عاقبة الطمع وخاتمته السيئة والتي كثرت القصص والامثلة التاريخية والشعبية فيه والتي تدعو الى ترك الطمع واجتنابه.

(وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاَّ يَكُونَ بَيْنَكَ بَيْنَ اللهِ ذُو نِعمَة فَافْعَلْ، فإِنَّكَ مُدْرِكٌ قِسْمَكَ، وَآخِذٌ سَهْمَكَ، وَإِنَّ الْيَسِيرَ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ أَكْرَمُ وأَعظَمُ مِنَ الْكَثِيرِ مِنْ خَلْقِهِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُ).

فكلما كانت علاقة المؤمن بالله قوية وثيقة، فإن الرجاء له والتوكل عليه يكون اكبر واكثر تأثيرا في القلب والروح وما ينعكس ذلك على السلوك في العبادات والاعمال والخشوع لله تبارك وتعالى، علاوة على ان الارزاق موزّعة ومقدّرة من الله لكل انسان مسبقا كما في قوله تعالى: [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ]، فكلما استطاع المؤمن الاعتماد على نفسه من دون الاتكال على الاخرين وان لا يجعل لذو نعمة او شأن فضلا عليه او ان يكون سببا في نيل ما يريده فان علاقته وتوجهه الى الله يكون اكثر اخلاصا.

وللوصية تتمة

نهج البلاغة خطبة ٣١

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com