نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر 14

 

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن في تتمة حديثه عن الدنيا واهلها قال:

💠 (وَإِيَّاكَ أَنْ تَغْتَرَّ بِمَا تَرَى مِنْ إِخْلاَدِ أَهْلِ الدُّنْيَا إِلَيْهَا {اي سكونهم اليها}، وَتَكَالُبِهِمْ عَلَيْهَا، فَقَدْ نَبَّأَكَ اللهُ عَنْهَا، وَنَعَتْ لَكَ نَفْسَهَا {اي اخبرتك الدنيا بموتها وفنائها}، وَتَكَشَّفَتْ لَكَ عَنْ مَسَاوِيهَا، فَإِنَّمَا أَهْلُهَا كِلاَبٌ عَاوِيَةٌ، وَسِبَاعٌ ضَارِيَةٌ، يَهِرُّ بَعضُهَا بَعضاً).

من يتأمل في حياة الناس ويلاحظ تهافتهم على الدنيا وطمعهم في زينتها يجد ان اكثر الناس يعيشون الغفلة رغم انهم يشاهدون رحيل البعض من احبتهم ومعارفهم الى الدار الاخرة، فلقد اخبر الله سبحانه عن الدنيا واحوالها والغرض منها كما ان الدنيا بذاتها قد اخبرت بفنائها فيما جرى ويجري على سكانها وكشفت عن مساويها في انتشار الفقر والظلم والمرض وهدر الحقوق بين الناس بسبب طغيان البعض واستئثارهم بالسلطة والمال والملك وزينة الدنيا لأنفسهم دون الاخرين مما جعل الدنيا ساحة للصراع وغلبة المصالح الشخصية بين اهلها فكأنهم اصبحوا سباعا ضارية مولعة بالافتراس للأضعف منها، وكلابا عاوية يهر بعضها بعضا، والهرير هو صوت الكلب من دون نباح عندما يكشر عن انيابه، فهكذا هي حال الدنيا في واقع ما يجري فيها من الظلم والطغيان وانتهاك الحقوق الانسانية.

💠 (يَأْكُلُ عَزِيزُهَا ذَلِيلَهَا، وَيَقْهَرُ كَبِيرُهَا صَغِيرَهَا {اي ان القوي يهضم حقوق الضعيف ويذلّه كما ان الكبير يستغل قوته في قهر الضعيف والفرض عليه بما يريد}، نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ {فبعض الناس هم كالدواب المشدودة التي تنساق مع سائقها حيث يقودها}، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ {اي كالدواب السائبة لا يهمها غير قوتها وعلفها}، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَهَا {اي اضاعت عقولها وسارت مع غريزتها}، رَكِبَتْ مَجْهُولَهَا {اي سارت في الطريق المجهول لها مع السائق لها}، سُرُوحُ عَاهَة بِوَاد وَعث {السارح هو السائم من الدواب، والعاهة هي الافة بمعنى ان اهل الدنيا هم كالأنعام الذين يسرحون في مكان مليء بالآفات وفي واد وعث اي رخو يصعب السير فيه وهم غافلون عن ذلك}، لَيْسَ لَهَا رَاع يُقيِمُهَا، وَلاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا) {اي ليس لها سائق يسوقها او يسرحها إلى المرعى})

فحال اهل الدنيا عندما لا يخضعون لدين الله وما ارسل لهم من كتب وحجج فإنما يكونون كالدواب او الانعام التي قال الله عنها [أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا]، حيث تقودهم الشهوات والنزوات الى اشباع حاجتهم ورغباتهم من دون تفكير بالموت وما بعد الموت من حساب وجزاء، فهم اشبه بالدواب التي تسير من دون هدف وغاية في واد او ارض مليئة بالآفات المهلكة ليس لهم راع او سائق يسوقها الى ما فيه السلامة والعافية يقولون حسبنا انا نكون مع الناس غافلين عن نهي الله في كتابه بقوله: [كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ]، وعن نهي رسوله في قوله: (اغدُ عالما او متعلما ولا تكون إمَّعَة)، وهو الضعيف الرأي الذي يتبع الناس ويسايرهم في اقوالهم واعمالهم.

💠 (سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى، وَأخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى، فَتاهُوا فِي حَيْرَتِهَا، وَغَرِقُوا فِي نِعمَتِهَا، وَاتَّخَذُواهَا رَبّاً، فَلَعِبَتْ بِهِمْ وَلَعِبُوا بِهَا، وَنَسُوا مَا وَرَاءَهَا).

وهو ما حذر منه تعالى من نسيان الاخرة بقوله: [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ]

💠 (رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلاَمُ {اي تنكشف الظلمة}، كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الاْظْعَانُ {والاظْعان: جمع ظعينة، وهي الهودج الذي يوضع على الجمل لتركب فيه المرأة، وهو تعبير عن المسافر الذي تحمله الدابة الى مقصده}، يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ {وهو تعبير عن اللحاق بالقافلة}، وَاعلَمْ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً، {اي ساكنا مستريحا})

ففي كل يوم يقطع الانسان جزء من سفره الى الاخرة سواء شعر بذلك او لم يشعر فالليل والنهار يحملان الانسان الى اجله سواء اكان ساكنا في مكانه او متغيرا في حاله، وعند الموت تنكشف الحقائق حيث لا رجعة للدنيا ولا تدارك لما مضى، [حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ، كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ].

 

وللوصية تتمة


نهج البلاغة خطبة ٣١

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com