نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر 13

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:

💠 (وَاعلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلاْخِرَةِ لاَ لِلدُّنْيَا، وَلِلْفَنَاءِ لاَ لِلْبَقَاءِ، وَلِلْمَوْت لاَ لِلْحَيَاةِ، وَأَنَّكَ فِي مَنْزِلِ قُلْعَة {اي في منزل مؤقت لا يدري الانسان متى ينتقل عنه}، وَدَارِ بُلْغَة {اي ما يتبلغ به من العيش او ما يكفيه لإدامة الحياة}، وَطرِيق إِلَى الاْخِرَةِ {اي ان الغرض من الدنيا هو ان تكون طريقا لبلوغ الاخرة فلا يفكر الانسان في العيش الدائم فيها وكأنها دار الاستقرار).

من الاشياء المهمة في حياة اهل الايمان ان يعرفوا حقيقة الحياة الدنيا والغرض من خلق الانسان فيها، فهي كما ورد في كتاب الله وفي احاديث انبيائه وحججه المعصومين انها فترة مؤقتة من الزمن خلق الله فيها الانسان ليمتحنه في اعماله واقواله وتصرفاته من خلال ما أمره به ونهاه عنه، ثم يميته، ثم يبعثه يوم القيامة كما اوضح في كتابه بقوله: [تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]، فالملك لله في جميع خلقه وله الارادة في ان يفعل فيه ما يشاء، وكان من مقتضى ارادته خلق الانسان وان يعرضه للامتحان او الابتلاء فيما انزل من كتبه وبلغ به انبيائه وحججه بوجوب طاعته واجتناب معصيته، كما اوضح سبحانه في آيات اخرى من الكتاب موضوع الامتحان وانه من سننه في خلق الانسان بقوله: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ]، حيث تكون الجنة او النار ثمرة لأعمالهم كما في قوله تعالى؛ [وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]، وفي قوله كذلك: [فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]، ولذا ينبغي لأهل الايمان ان لا يغفلوا عن ان المعيشة في الدنيا هي فترة مؤقتة او كما في الحديث منزل قُلعة وانها دار بُلغة الى الاخرة فلا يعطوها اكبر من قدرها، فإنما خلق الانسان للأخرة لا للدنيا.

💠 (وَأَنَّكَ طَريدُ الْمَوْتِ الَّذِي لاَ يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ وَلاَ بُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ، فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَال سَيِّئَة، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكتَ نَفْسَكَ).

فما اكثر الآيات التي تحدثت عن الموت وعن حتمية وقوعه كما في قوله تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]، فلا يمتنع الانسان من الموت مهما فعل ولو كان في بروج مشيدة يحرسها اشد الرجال وبأفضل الاسلحة كما في قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ)، فلابد من الموت في النهاية ولابد من الجزاء والحساب على الاعمال كما اوضح بقوله: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]، فمن ايقن بمجيء الموت ولا يعرف موعد مجيئه فإن عليه ان يكون في حذر من ان يأتيه وهو في حال المعصية فيختم له بسوء العاقبة حتى وان كان يفكر بالتوبة، او كما قال ع في وصيته: (فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَال سَيِّئَة، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكتَ نَفْسَكَ).
💠 (يَا بُنَيَّ، أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وَتُفْضِي بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ وَقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ
{والحِذْر هو الاحتراز والاحتراس}، وَشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ {اي قوتك واستعدادك له بالسبق الى الطاعات}، وَلايَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ {اي فجأة فيغلبك على امرك})

فمن يتفكر في احوال الموتى بعد موتهم وانتقالهم من ظهر الارض الى بطنها وقد تركوا الاموال والازواج والاولاد والابهة والجاه والسلطان وعناوين الدنيا واسمائها والقابها وزعاماتها وغادروا القصور واماكن السرور وانتقلوا الى ضيق اللحد وظلمة القبر ووحشة المكان واصبحت اجسادهم الجميلة ووجوههم النظرة جزء من تراب الارض يطؤها الناس بأقدامهم وارجلهم هذا عدا ما في الموت من انكشاف الغيب وسؤال منكر ونكير وحياة البرزخ وما فيها من انقطاع عن الدنيا وشؤونها وتوهماتها، عند ذلك يدرك المتفكر بالموت واحواله بعض من حقائقه وخفاياه، وهو ما افاضت بالحديث عنه ادعية المعصومين وبشكل خاص ما ورد عن الامام زين العابدين في ادعية السحر في شهر رمضان والذي يستحب قراءته في جميع الاشهر والاوقات التي يخشع فيها القلب ويتوجه الى ذكر ربه ومعاده، وما افاض به من الدعاء في الصحيفة السجادية عن ذكر الموت بقوله:
وَسَلِّمْنَا مِنْ غُرُورِهِ، وَآمِنَّـا مِنْ شُـرُوْرِهِ، وَانْصِبِ المَوْتَ بَيْنَ أَيْدِينَا نَصْباً، وَلاَ تَجْعَلْ ذِكْرَنَا لَهُ غِبّاً {اي متباعدا}، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ صَالِحِ الاعْمَالِ عَمَلاً نَسْتَبْطِئُ مَعَهُ الْمَصِيرَ إلَيْكَ، وَنحْـرِصُ لَهُ عَلَى وَشْكِ اللِّحَاقِ بِكَ حَتَّى يَكُونَ الْمَوْتُ مَأنَسَنَا الَّذِي نَأنَسُ بِهِ، وَمَألَفَنَا الَّذِي نَشْتَاقُ إلَيْهِ، وَحَامَّتَنَا الَّتِي نُحِبُّ الدُّنُوَّ مِنْهَا {اي كالاهل والولد} فَإذَا أَوْرَدْتَهُ عَلَيْنَا، وَأَنْزَلْتَهُ بِنَا فَأسْعِدْنَا بِهِ زَائِراً، وَآنِسْنَا بِهِ قَادِماً، وَلاَ تُشْقِنَا بِضِيافَتِهِ، وَلا تُخْزِنَا بِزِيارَتِهِ، وَاجْعَلْهُ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ مَغْفِرَتِكَ، وَمِفْتَاحاً مِنْ مَفَاتِيحِ رَحْمَتِكَ.

أَمِتْنَا مُهْتَدِينَ غَيْرَ ضَالِّينَ، طائِعِينَ غَيْرَ مُسْتَكْرِهِينَ، تَائِبينَ غَيْرَ عاصِينَ وَلا مُصِرِّينَ، يَا ضَامِنَ جَزَاءِ الْمُحْسِنِينَ، وَمُسْتَصْلِحَ عَمَلِ الْمُفْسِدِينَ.


وللوصية تتمة


نهج البلاغة خطبة ٣١

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com