نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر     11
 


عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:

(وَاعلَمْ، أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّموَاتِ وَالاْرْضِ قَدْ أَذِنَ لَكَ فِي الدُّعَاءِ، وَتَكفَّلَ لَكَ بِالاْجَابَةِ، أَمَرَكَ أَنْ تَسْأَلَهُ لِيُعطِيَكَ، وَتَسْتَرْحِمَهُ لِيَرْحَمَكَ)

من صفات الملوك والحكام في الارض انهم لا يهتمون بأي احد الا انفسهم وذلك لضيق اهتماماتهم وتفكيرهم وخوفهم من ان تفوتهم الفرصة، اما الخالق العظيم الذي خلق الكون بكل ما فيه والذي بيده الامور جميعا ولا يخشى من شيء فهو ارحم الراحمين بعباده وخلقه ولذا فتح لهم ابواب الرحمة وسبل النجاة لهم فهو القائل في كتابه: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ]،

ومن تلك الابواب هو باب الدعاء الذي يقرب العبد الى ربه فما اعظم الآيات التي وردت فيه وخصوصا قوله تعالى: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]، حيث جعل لكل دعاء اجابة، وجعل الدعاء عبادة تستحق المثوبة الاخروية، بل واعتبر الذين لا يدعون انما هم من المستكبرين الذين يستحقون النار، غاية ما في الامر ان استجابة الدعاء على ثلاثة انواع رحمة بالعباد ولطفا بهم كما بينته الروايات الصحيحة عن اهل البيت، فقسم من الدعوات تستجاب كما يطلب الداعي من ربه، وقسم اخر يستبدل بشيء مكافئ له لعلمه سبحانه ان اعطائه ما يطلبه الداعي يؤدي الى عنائه وبعده عن مقصده كمثل من يطلب من ربه ان يوفقه لعمل معين او زوجة يريدها او بيت يهواه والله يعلم ان ذلك العمل او الزوجة او البيت له عواقب سيئة فيوفقه لعمل اخر او زوجة اخرى او بيت اخر بعيد عن الجوانب السيئة،

وقسم ثالث من الدعوات يعلم الله انها ستكون سببا لانحرافه عن الدين وتحصيل سوء العاقبة فيما لو اجاب الله دعائه كمن يطلب الكثرة في المال او الولد او الزعامة والرئاسة وامثال ذلك، ولذا لا يستجيب الله له دعائه ولكنه يعوضه عن توجهه له بالدعاء في الاخرة، حتى ان المؤمن حينما يرى عظمة الثواب في الاخرة يقول ربي ليتك لم تستجب لي دعاء في الدنيا. وهذه الروايات موجودة في الكافي وعدد من المصادر الشيعية الاخرى وقد جمعتها بفضل الله وعونه في عدد من الكتب التي الّفتها امثال: انوار الدعاء، رياض الداعين عيون الدعاء، ادعية المتوسلين، مناجاة اهل البيت، نور القلوب، الانوار الجلية في شرح الصحيفة السجادية، ادعية الحج والعمرة وغيرها من كتب الدعاء والزيارة، فإن من يتعمق في ادعية اهل البيت يجد كثير من المعاني والصفات الالهية تضمنتها هذه الادعية العظيمة.

(وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَنْ يَحْجُبُكَ عَنْهُ، وَلَمْ يُلْجِئْكَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكَ إِلَيْهِ)

فالله سبحانه من رحمته قد فتح ابواب الدعاء لخلقه من دون وجود اوقات معينة او مراسم وتشريفات خاصة او لباس خاص او هيئة خاصة من الجلوس او القيام او الركوع بل قال ادعوني استجب لكم الا ان هناك جملة من المعارف ينبغي للداعي ادراكها ليكون للدعاء اثره في قلب الداعي فيستجاب له من امثال توجه القلب الى الله في الدعاء، وخشوعه، والرجاء منه وحده، والفهم لمعاني الادعية المأثورة وغير ذلك من الآداب والشروط التي تناولتها الاحاديث الشريفة ومنها: ما ورد عن الامام الصادق ع انه قال: "ان الله عزّ وجل لا يستجيب دعاءا بظهر قلب ساه، فاذا اذا دعوت فأقبل بقلبك ثم استيقن الاجابة"، فاذا كان قلب الانسان لاهيا منشغلا عند الدعاء مأخوذا عليه وكانت عينه جامدة عن البكاء والخشية من الله فليتخذ من حاله هذه سببا ليقظته وخشوعه بالالتفات لما اوصله لهذه الحالة السيئة.

💠 (وَلَمْ يَمْنَعكَ إِنْ أَسَأْتَ مِنَ التَّوْبَةِ، وَلَمْ يُعَاجِلْكَ بَالنِّقْمَةِ، وَلَمْ يُعَيِّرْكَ بِالاْنَابَةِ {اي بالرجوع والعودة الى الله}، وَلَمْ يَفْضَحْكَ حَيْثُ الْفَضِيحَةُ بِكَ أَوْلَى، وَلَمْ يُشدِّدْ عَلَيْكَ فِي قَبُولِ الاْنَابَةِ، وَلَمْ يُنَاقِشْكَ بِالْجَرِيمَةِ، وَلَمْ يُؤْيِسْكَ مِنَ الرَّحمَةِ، بَلْ جَعَلَ نُزُوعَكَ {اي رجوعك} عَنِ الذَّنْبِ حَسَنةً، وَحَسَبَ سَيِّئَتَكَ وَاحِدَةً، وَحَسَبَ حَسَنَتَكَ عَشْراً، وَفَتحَ لَكَ بَابَ الْمَتَابِ، فَإِذَا نَادَيْتَهُ سَمِعَ نِدَاك، وَإِذَا نَاجَيْتَهُ عَلِمَ نَجْوَاكَ، فَأَفْضَيْتَ إِلَيْهِ بِحَاجَتِكَ، وَأَبْثَثْتَهُ ذاتَ نَفْسِكَ {اي كاشفته حالة نفسك}، وَشَكَوْتَ إِلَيْهِ هُمُومَك، وَاسْتَكْشَفْتَهُ كُرُوبَكَ {اي طلبت منه كشف كروبك}، وَاسْتَعَنْتَهُ عَلَى أُمُورِكَ، وَسَأَلْتَهُ مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَتِهِ مَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهِ غيْرُهُ، مِنْ زِيَادَةِ الاْعْمَارِ، وَصِحَّةِ الاْبْدَانِ، وَسَعَةِ الاْرْزَاقِ.


وللوصية تتمة


نهج البلاغة خطبة ٣١

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com