نور من نهج البلاغة    خلاصة العمر 10
 

عن امير المؤمنين ع في وصيته لابنه الحسن ع بعد عودتهم من صفين قال فيها:

(وَاعْلَمْ، أَنَّ أمَامَكَ عَقَبَةً كَؤوداً {والعَقَبة : هي العائقٌ او الصعوبة التي تعترض الطريق، والمراد بالعقبة الكؤود هو الصعوبة الشديدة التي تحول دون الوصول الى المقصود وان كان التعبير بالعقبة الكؤود يستعمل احيانا في المرتقى الصعب}، الْـمُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالاً مِن الْمُثْقِلِ، والمبطئ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالاً مِنَ الْمُسْرِعِ، وَأَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ لاَمَحَالَةَ عَلَى جَنَّة أَوْ عَلَى نَار)

حينما يصعد الانسان الى مرتفع من الارض كمثل سلوك طريق جبلي فانه يواجه مشقة فيه الا ان هذه المشقة تزداد كلما كان الأنسان مثقلا فيما يحمله من الاثقال معه وهو تشبيه الى الحياة الاخرة بعد الموت، فان رحيل الانسان الى الاخرة هو مسالة صعبة لمواجهة كرب الموت وما بعده من الحساب الاولي في حياة البرزخ الا ان هذه الصعوبة تكون اكبر في القيامة والتي تتناسب مع اثقال الذنوب التي يحملها الانسان على ظهره وهو يسير نحو الحساب الالهي العظيم وما جاء فيه من تحذير الهي في كتابه الكريم بقوله: [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]، ثم قال سبحانه في سورة اخرى محذرا من ثقل الاوزار والذنوب: [قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ، حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ]، كما قد ورد في بعض الاخبار من الروايات الشريفة الحديث عن الصراط في يوم القيامة وصعوبة المرور عليه لدقته وخطورته وان من يسقط فيه يهوى الى النار ومن يقطعه سالما يصل الى الجنة وهو ما يشير اليه الامام في وصيته بقوله: (وَأَنَّ مَهْبِطَهَا بِكَ لاَمَحَالَةَ عَلَى جَنَّة أَوْ عَلَى نَار).

(فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، ووطئ الْمنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ، فَلَيْسَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ وَلاَ إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ)

والريادة هو حسن الانتخاب للطريق وكان المسافرون فيما مضى من الزمان يبعثون رائدا يتقدم قومه وينير لهم الطريق ويوضح لهم صعوباته حتى قيل فيه من الحديث "الرَّائِدُ لاَ يَكْذِبُ أَهْلَهُ"، بمعنى ان على المؤمن اضافة الى حسن الارتياد ان يوطئ المنزل هناك بما يبعثه من الزاد من الصالحات وطيبات الاعمال قبل الانتقال الى الدار الاخرة، اذ ليس بعد الموت مستعتب، والاستعتاب هو الاسترضاء، والمراد ان الله سبحانه لا يسترضى بعد حلول الموت باستئناف العمل من الميت وهو ما اوضحه الله في كتابه بقوله: [حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ]، فلا يمكن الانصراف او العودة الى الدنيا بعد الموت.

وللوصية تتمة

نهج البلاغة خطبة ٣١

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com