صفات المتقين    7

 

نور من نهج البلاغة

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتقين قال:

(فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ).

فمن صفات المتقي الذي أفاض الله عليه بالإيمان واليقين ان يكون صبورا عند مواجهته للمشاكل والمحن التي تهز كيان الانسان وتزلزل افكاره ومواقفه، فتراه وقورا صبورا على المكاره محتملا للشدائد الصعبة لعلمه بان الامتحان الالهي في الدنيا لابد منه لكل البشر مهما كانت حالتهم ووضعهم الشخصي والنفسي والمادي والاجتماعي والسياسي فقد سبق البيان من الله سبحانه في كتابه الكريم عن ذلك بقوله: [أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ]، كما اوضح حقيقة الحياة والموت بقوله : [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]، فالحياة الدنيا لا يمكن ان تكون من دون ابتلاء واختبار والذي عليه يكون الجزاء والعقاب وعليه تترتب العاقبة الحميدة او السيئة في الاخرة.

(لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ).

فالمتقي لله من المعاصي والذنوب يسعى لان يكون بعيدا عن الذنب والاثم وذلك باتباع الحق والعدل، فهو لا يحيف او يجور ويظلم من يبغضه فيمنعه حقه الذي أوجبه الله له، ولا ينال الاثم بإعطاء من يحبه اكثر من حقه، فقد أوجب الله أداء الحقوق كاملة على العباد بقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ {بمعنى ان يكون السعي والقيام بالواجبات خالصا لله سبحانه}، شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ {اي بغض} قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا، اعدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]، ولذا فالمتقي هو الذي يعطي الناس حقوقهم كاملة غير منقوصة بغض النظر عن مواقفهم وآرائهم السياسية او الشخصية لأنه يعلم ان الله سوف يسأله في القيامة عنها كما في قوله تعالى [(وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)]

(يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ).

فالمتقي بعيد عن الباطل حتى وان كان يحقق له شيء من المنفعة ويسعى لتثبيت الحق واقراره حتى وان كان فيه ضياع بعض النفع الدنيوي له فهو يعترف بالحق للأخرين حتى قبل ان يطلب منه الشهادة عليه.

(لاَ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ)،

فالمتقي بحكم تدينه والتزامه بأمر الله في حفظ الودائع والامانات فإنه لا يفرّط بها ويؤديها لأهلها كما في قوله تعالى [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ {اي نعم ما يعظكم به}، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا]، كما ان الامانة المعنوية مثل العهود والاسرار والالتزامات الاخلاقية لا تقل شأنا عن الامانات المادية التي ينبغي ادائها ولذا تغلب الصفة الاخلاقية في سلوك المتقي على مواعيده والتزاماته كلها .

(وَلاَ يُنَابِزُ بِالاْلْقَابِ)

فالمتقي يحرص على الالتزام بكل ما أمره الله به ومنها عدم التنابز بالألقاب وهو ما يعني انه يتجنب ان يدعو الاخرين بالألقاب التي لا يحبوها وكل لقب يكرهه صاحبه ويشمئز منه ولكن عُرف بين الناس به قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ، وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ، وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ {اي لا يعب بعضكم بعضا}، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ {اي الاسم المذكور بالسخرية او اللمز او التنابز}، وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ]

(وَلاَيُضَارُّ بالْجارِ)،

فالمتقي حريص على حفظ حسن الجوار وحفظ الروابط الاخوية مع جيرانه ويتحاشى كل ضرر يلحقهم منه بقول او عمل وخاصة الجار بالجنب اي الذي يكون جنبه فما اكثر الآيات والاحاديث في ذلك حتى ظن بعض المسلمين لشدة ما اوصى رسول الله ص بالجار انه سيورثّه قال تعالى: [وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَبِذِي الْقُرْبَىٰ، وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَالْجَارِ الْجُنُبِ، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا]

(وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ)

فالمتقي لا يفرح بمصائب الاخرين حتى وان كانوا على خلاف معه شخصي او عقائدي فإن ذلك خلاف القيم الدينية الاخلاقية واحاديث وادعية وسلوك حجج الله المعصومين.

(وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولاَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ).

فالمتقي حريص على عدم الدخول في الباطل او الحرام في جدّه وفي هزله وفي مزحه ولعبه، فلا يغتاب ولا يكذب ولا يجانب الحقيقة ولا يخرج عن الحق في حديثه ونقاشه وجداله .

(إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ {اي ان كثرة الصمت وعدم الحديث في الباطل او في مالا يرضي الله لا تدفعه للغم والكأبة}، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ {فالضحك ينبغي ان يكون تبسما او ضحكا هادئا بعيدا عن الصراخ وحركات الراس والايدي والبدن}، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ).

(نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة، {اي انه يتعب نفسه كثيرا في الاعمال والالتزامات ليريح الاخرين فهو كثير التضحية والبذل}، أَتْعَبَ نفسه لاِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ)

(بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة).

قال: فصعق همّام صعقةً كانت نفسُه فيها {اي فاضت روحه الى بارئها تأثرا من الحديث}. فقال أمير المؤمنين: أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا.

فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين ؟

فقال (عليه السلام): وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ، وَسَبَباً لاَ يَتَجَاوَزُهُ، فَمَهْلاً لاَ تعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ)

 

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

ونسالكم الدعاء مع انتهاء شرح صفات المتقين

🌿مع اطيب التحيات من🌿
     نبيل شعبان

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com