صفات المتقين    6

 

نور من نهج البلاغة

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتقين قال:

(خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ)

فالمتقي يعيش الخشوع لله دائما لأنه يجد الله حاضرا في كل شيء ولذا فنظره متوجه للأخرة معرضا عن الدنيا والاهتمام بأشيائها من المطعم والمأكل والملبس وما يشغله عن الاخرة فنفسه قد اعتادت القناعة والرضا برزق الله كيف ما كان من عطائه وفضله.

(مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ)

فهو قليل الأكل لا يبالي بأصناف الطعام ولذائذه ولا ينظر اليه كغاية وهدف وانما هو بعض رزق الله الذي قال فيه : [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ] فلا يكثر منه متبعا لقوله تعالى: [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ]، فهو سهل في امر المعيشة واسبابها لا يبطر نعم الله لأنه يعلم ان عاقبة البطر او الاستخفاف بالنعمة هي نسيان الله والتعرض الى نقمته كما في قوله تعالى: [وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ].

(حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ)

فالمتقي بما حازه من المكارم الاخلاقية والايمانية جعل دينه محرزا او مصانا عن الضعف والانحراف، فهو مسلّط على شهواته كاظم لغيظه فيما يتعرض له من اذى الاخرين، فلا يندفع في الانتقام وردود الفعل السلبية طامعا في عفو الله وفضله كما قال في كتابه [الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]

(الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ).

فالنفوس التقية لا يتوقع منها الشر والاذى للأخرين بل على العكس من ذلك فهي تبادر الى الخير والمعروف تقرّبا الى الله تعالى كما في قوله تعالى: [وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ].

(إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ).

فمن صفات المتقي انه لا يغيب عنه ذكر الله والسعي للأخرة فان كان مشغولا ببعض شؤون الحياة ومستلزماتها التي لابد منها فانه يكتب من الذاكرين لان سعيه في سبيل الله، وان كان في حال العبادة من الصلاة او الصيام او الدعاء او تلاوة القران او غير ذلك من الفرائض لم يكتب من الغافلين عن ذكر الله فهو يستشعر الله في عباداته ويتحسس بقلبه ما يقوله بلسانه.

(يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ).

فالمتقي لا يعامل المسيء بما يستحقه من الجزاء المناسب لأعماله وانما يعامله بالفضل والاحسان امتثالا لقوله تعالى: [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]، فمن صفات المتقي ان يعمل بما ورد في عدد من احاديث النبي واهل بيته وما فعلوه من المصاديق العملية في العفو عن الظالمين عند القدرة على الانتقام منهم والعطاء لمن حرمهم حقهم والصلة لمن قطعهم من الارحام والاخوان كما حدث في فتح مكة وفي حياة امير المؤمنين والائمة المعصومين من بعده.

(بَعِيداً فُحشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ)

فمن صفات المتقي ان ينزّه كلامه من الفحش وهو القبيح من القول في الفاظه واحاديثه مع الاخرين ولذا يتميز اسلوبه باللين كما ان فعاله تتطابق مع اقواله فهو لا يغتاب ولا يفتري ولا يفعل المنكر وهو ما حرّمه الشرع ونهى عن فعله وما حكمت القول بقبحه وذمه قال تعالى: [إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ].

(حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ)

فالمتقي يسارع الى فعل المعروف وهو كل خير استحسنه الشرع والعقل ولذا يبادر لفعل الصالحات بعيدا عن الشر في الفكر والعمل بخلاف المنحرفين والفاسقين والمنافقين الذين وصف الله افعالهم بقوله: [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ]

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com