صفات المتقين    5

 

نور من نهج البلاغة

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتقين قال:

(يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ).

فالمتقي هو الذي لا يغفل عن ذكر الله كما تقدم القول فيه فإنه يبيت حذرا من ان يفاجئه الموت قبل التأهب والاستعداد له فإن الموت يأتي فجأة ومن دون مقدمات كما في دعاء الامام السجاد في ادعية الايام في الاستجارة بالله بقوله: "ومن انقضاء المدة قبل التأهُبِ والعُدّة" وهو ما كان يقوله أمير المؤمنين في ادعية الفجر:

"اللهم لا تُمتنِي في غَمرَةٍ {اي في غمرة الانشغال في شؤون الدنيا ومشاغلها}، ولا تأخُذنِي على غَرَّةٍ {اي على غفلة من حلول الموت واثاره وتبعاته}، ولا تَجعَلنَي من الغافلين" فان النوم هو موت مؤقت كما في قوله تعالى : [اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ، وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]، ولذا يصبح المتقي فرحا بحصوله على فرصة جديدة من العمر ليسعى في تحصيل زاد الاخرة، وهو ما ورد فيه الدعاء المأثور "الحمد لله الذي احياني بعد ما اماتني واليه النشور".

(إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيَما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيَما تُحِبُّ)

{اي ان لم تطاوعه نفسه في الطاعات والعمل للباقيات الصالحات فانه يعاقبها ويؤدبها بعدم اعطائها ما ترغب فيه من شهوات الدنيا ولذائذها حيث يختار لكل تقصير ما يناسبه من التأديب فالنفس ان تركت لهواها فإنها تقوده الى سوء العاقبة في الدنيا والاخرة. قال تعالى في سورة الشمس: [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا {اي اخفى اشراقها بفعل المعصية}]

(قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيَما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيَما لاَ يَبْقَى)

فالمتقين قد حباهم الله بالرغبة للأعمال التي تبقى لهم في الاخرة والتي يزول عنائها الدنيوي ويبقى ثوابها الاخروي وجعل زهدهم واعراضهم فيما تزول لذته الدنيوية وتبقى تبعاته الاخروية فالدنيا قصيرة او كما عبّر الله عنها بقوله: [وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ].

(يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمَ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ).

فالمتقي لا يتحدث بالأشياء من دون علم وبيّنة كما انه لا يقول ما لا يفعل فقد ذمَّ سبحانه من كان كذلك كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ]، فيكفيه المقت من الله في ان يكون مانعا من الاقوال بلا افعال، وفي سيرة النبي (ص) واهل بيته كثير من المواقف والاحداث والاقوال التي تبين ضرورة اقتران القول بالعمل.

(تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زلـله)

فمن صفات المتقي انه لا يؤمل في العيش طويلا بالمعنى الايجابي وليس بالمعنى السلبي فهو يتوقع حدوث الموت في كل يوم وكل ساعة كما في الاحاديث الكثيرة عن النبي واهل بيته ولكنه لا يخلد الى اليأس والعزلة وترك الحياة ومستلزماتها ومتطلباتها بل هو يعيش فيها بكل طاقته الايجابية التي أمره الله بها بقوله: [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ]، فقد شاء الله ان يخلق الدنيا لابتلاء الانسان واختباره كما في قوله تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]، وجعل درجات الجنة ومنزلتها بحسب عمل الانسان وسعيه في الدنيا كما في قوله تعالى: [وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ]،وقال كذلك: [هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]، [دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا]

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com