صفات المتقين    3

 

نور من نهج البلاغة

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتقين قال:

(فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين)
اي ان هناك سمات للمتقين يتميّزون بها عن عموم المؤمنين اضافة لما سبق ذكره عنهم، ومن ذلك القوّة في الدين بمعنى ان دينهم ثابت في انفسهم لا يتزعزع ولا يتغير عند الشدائد والظروف الصعبة، فلا الاغراء ولا الاضطهاد يؤثران على معتقداتهم الدينية والتي هي قائمة على اساس متين.

(وَحَزْماً فِي لِين)
فالمتقين رغم قوة ارادتهم وحزمهم او ضبطهم للأمور الدينية والحياتية الا ان هذا الحزم يتسم باللين والمعاملة الطيبة للأخر وليس من خلال القوة والاكراه التي تؤدي الى النفرة والكراهية في النفوس وهو ما أشار الله اليه بقوله لنبيه: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]

(وَإِيمَاناً فِي يَقِين)
اي ان ايمان المتقين يستند الى العلم والبصيرة وليس على الاقوال والمسموعات التي لا تقوم على العلم كما يتحدث البعض عنها بكونها من المجرّبات او المسموعات او بكونها قد وصلت عن طريق الانترنيت والتي لا يعرف مصدرها او قائلها او وثاقة ما فيها فمثل هذه الاعتقادات تنهار بسرعة ولا تصمد امام الحقائق العلمية.

(وَحِرصاً فِي عِلْم)
فمن طبيعة المتقين الحرص على طلب العلم كما في الحديث النبوي الشريف اطلب العلم من المهد الى اللحد فطلب العلم ليس له عمر محدّد ولا حال خاص وانما هو مرافق لأهل الايمان منذ اول وعيهم حتى مماتهم ولذا تعددت الآيات والروايات في فضل طلب العلم ومنزلته، اذا بالعلم يُعرف الله، وبه يُعبد، وبه يثاب الانسان في الدارين، كما في قوله تعالى: [يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ]

(وَعِلْماً فِي حِلْم)
اي ان علمهم ومعرفتهم الدينية لا يجعل منهم طواغيت متكبرين في التعامل مع الناس بل هم يتقبلون الافكار والآراء المخالفة لمعتقداتهم بروح سمحة لكي يتمكنوا من ايضاح الحقائق وشرحها للأخرين فليس المهم الانتصار على المقابل وافحامه في رأيه ولكن المهم اقناع المقابل بالدليل والبينة من دون الإساءة اليه

(وَقَصداً فِي غِنىً)
اي ان المتقين لا يعتبرون الغنى والثروة هو امتياز للإنسان قد حققه بجهده وسعيه كقول قارون لقومه: [قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي] لانهم يعلمون ان الارزاق هي بيد الله، فكم من فقير اغناه الله وكما من غني أفقره الله، وهو ما بيّنه الله في تتمة الآية بقوله: [أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ]، ولذلك هم يلاحظون الاقتصاد في حالة الغنى تواضعا لله واحتراسا من ان تدور الدنيا بهم كما دارت بالذين من قبلهم

(وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة)
وهي من الصفات المهمة التي تميز المؤمن العارف بالله عن غيره فهو يتعامل مع العبادة كطاعة لله وليس كعادة وهو ما يستوجب الخشوع والتوجه القلبي لله كما ورد في الروايات العديدة التي تناولت مواضيع الصلاة والحج والزكاة وغيرها من العبادات والتي يطول الحديث فيها وهو ما اوضحه الله تعالى بقوله: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ].

(وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَة)
فالمتقين لا يشكون للناس فقرهم وضيق حالهم بل هم يتظاهرون باليسر وعدم الحاجة كما في قوله تعالى: في وصف الفقراء المتعففين [لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا] فلا يلحون او يظهرون الحاجة للناس .

(وَطَلَباً فِي حَلاَل)
اي ان سعي المتقين هو في موارد الحلال الواضح مجتنبين لكل موارد الحرام والشبهة والتي تترك اثرها السيء على قلب الانسان وروحه وفي تربية اولاده كما ورد في الاحاديث الشريفة.

(وَنَشاطاً فِي هُدىً)
فمن سمات الصالحين والمتقين هي المساهمة في مورد الخير والهدى والنشاط فيهما رغبة في ثواب الله وتسديده وعونه ودفعا لكيد الشيطان كما في قوله تعالى: [وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا]

(وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع).
فالمتقين لله بعيدين عن موارد الطمع في الدنيا والذي ينتهي يصاحبه الى الذل والخيبة.

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com