صفات المتقين     2

 

نور من نهج البلاغة

عن امير المؤمنين ع في تتمة خطبته عن صفات المتقين قال:

💠 (قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ)،

فمن صفات المتقين ان همّ الاخرة يغلب على روحهم وفكرهم فقلوبهم محزونة لخوفهم من حساب الاخرة رغم سعيهم في الصالحات كما قال الله في كتابه [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ]، ولذا هم بعيدون عن الشر وعن أذى الاخرين.

💠(وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ).

فهم بعيدون عن شهوات الدنيا ومطامعها ولذا يكتفون بالقليل من الطعام مما يقيم صلبهم كما ان حاجاتهم محدودة فلا يثقلون على الناس فيما يطلبوه منهم، فأنفسهم عفيفة تعف عن القول والطلب فيما لا يليق بهم من قول او فعل ولو كانوا بحاجة إليه كما قال الله عنهم في كتابه [ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ {اي حبسوا انفسهم على الجهاد في سبيل الله وتركوا السعي لتدبير موارد العيش المرفه مما يجعلهم في فقر ومحدودية من العيش}، لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَربًا فِي الْأَرْضِ {اي لا يستطيعون سفرا في الأرض لانشغالهم عنه بالجهاد وتعليم المجاهدين احكام الدين}، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ {بحالهم} أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ {لتعففهم عن السؤال والطلب}، تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ {اي بعلاماتهم من التواضع وأثر الجهد في تحمل الفقر}، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافا {اي لا يلحون في طلب الحاجة}، وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ].

💠 (صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً)،

فعمر الدنيا هو قليل جدا وقصير جدا بالنسبة للخلود الاخروي فهو لا يعدل قطرة في البحر الواسع او حبة رمل في الصحراء الكبيرة.

💠 (تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم)

وهو ما اوضحه الله عن هذه التجارة المربحة وشروطها بقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ، ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ].

💠 (أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا).

وهو ما ينبغي على المؤمنين الساعين للتقوى ان يروضوا انفسهم على هذه الصفات التي يتحدث عنها امير المؤمنين ليبلغوا درجات المتقين.

💠 (أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ)

فالمتقين يستفيدون من كل اوقاتهم سواء في الليل او النهار بذكر الله وعبادته فهم لا يتركون وقتا من دون الاستفادة منه لتحصيل زاد الاخرة من ذكر او صلاة او دعاء او تلاوة واعية في كتاب الله فهم يبحثون في آيات الله عما ينبههم من غفلة الدنيا وعما يجدون فيه الدواء الشافي لامراض النفس وتأثرها بكيد الشيطان ونزغه.

💠 (فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا {اي صوت توقدها} فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ

فالتلاوة الواعية تنبّه اهل الايمان الى المعاني المهمة للايات التي ذكرها في كتابه وتوقظ فكر الانسان وروحه الى العاقبة التي يكون فيها بعد الدنيا.

💠(فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ {من انحناء العود او عطفه والمراد هو ركوعهم لله}، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطرَافِ أَقْدَامِهِمْ {اي في حالة السجود}، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ {اي خلاصهم من نار جهنم}).

فعبادة الليل فيها من الاخلاص لله مالا يوجد في غيرها حيث لا يعلم ولا يرى عمل العبد الا الله سبحانه ولذا فقد ذكرها الله بقوله [إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا]،وبقوله: [وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا].

💠(وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ)

فحال المتقين في النهار كحالهم من التقوى في الليل فهم حلماء علماء لا يتصرفون الا بعلم وعقل فيسارعون الى الخيرات وفعل الصالحات لخوفهم من الله حيث قد براهم او نحتهم خوف الله كما يُنحت السهم،

فالبري هو النحت والقداح جمع قدح وهو السهم قبل ان يراش او يجعل بصورة سهم مدبب بمعنى ان خوف الله قد رقق اجسامهم وجعلها نحيفة كما يرقق السهم.

💠 (يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ: قَدْ خُولِطُوا {اي ان عقلهم فيه خلل} وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمرٌ عَظِيمٌ، لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ، فَهُمْ لاِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ {اي خائفون من التقصير})

فمن يعلم شدة حساب الله في القيامة وما جعل الله من الشواهد التي تشهد على الانسان في القيامة وهول ما سيكون بعدها من خلود في الاخرة يدرك معنى قوله تعالى: [وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا].

💠(إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ (اي مدحه الناس) خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعلَمُ مِنِّي بِنَفْسي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ).

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

وللحديث تتمة

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com