صفات المتقين   1

 

نور من نهج البلاغة

 

عن امير المؤمنين ع قال :
💠(أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ)
وفي ذلك مدعاة الى التفكير والانتباه لحكمة الله في الخلق فكل شيء في الوجود انما هو قائم بإرادة الله وقضائه وقدره ومنها معيشة الانسان وموقعه في الدنيا والاخرة.

💠(فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ)
فالمكانة العليا هي للمتقين او الممتنعين عن معاصي الله والمطيعين لأمره والمجتنبين لنواهيه فأصل التقوى هو الحذر والخشية والاجتناب، ولكي ينال المؤمن هذه المرتبة فان عليه الاتصاف بصفات المتقين التي يذكرها امير المؤمنين في خطبته ومن صفاتهم ان كلامهم يتّسم بالعقل والحكمة، كما ان ملبسهم يوصف بالاقتصاد فلا يلبسون الملابس الثمينة جدا ولا الرخيصة المبتذلة، كما ان مشيهم يتميز التواضع لله وليس كمشية المتجبرين والمترفين كما في قوله تعالى [وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا]

💠 (غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ)
فالتقوى اول ما تكون في البصر والسمع باعتبارهما الباب الى المعاصي ولذا كثرت الآيات والروايات فيهما كقوله تعالى: [قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا]،
وكقوله تعالى: [وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا].
حيث ينبغي ان يكون السمع والبصر في طاعة الله ومستعملة بما فيه النفع والفائدة لا بما فيه اللهو والمعصية.

💠 (نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ)
فهم في حال البلاء كحالهم في الرخاء لا يجزعون ولا يَهِنون ولا يبطرون ولا يتجبرون فهم في كل حالاتهم في موضع شكر لله لانهم يعلمون ان البلاء او الاختبار الالهي هو بعض من سنن الله في الدنيا.

💠 (ولَوْلاَ الاْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ).
اي ان الدنيا بكل غناها وفقرها واختلاف احوالها ليست لها قيمة في انفسهم فجُلّ تفكيرهم وطموحهم هو في النجاة من النار مع ان العارفين بالله لهم غايتهم الكبرى وهي الفوز برضوان الله .

💠(عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ)
وهو ما يوضح سبب زهدهم واعراضهم عن الدنيا وشهواتها لانهم عرفوا عظمة الخالق وقدرته فخافوا من عذابه ونقمته.

💠 (فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ)
فالجنة والنار قريبة من فكرهم فلا ينسوا ما ذكره الله في كتابه عنهما من النعيم في جنان الخلد ومن الشقاء في نار جهنم كقوله تعالى: [لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ {اي فراش} وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ {اي غطاء من نار فكأن النار قد اصبح لهم غطاء لشدة احاطته بهم} وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ]،
وكقوله تعالى: في وصف اهل الجنة: [يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]، وفي هذا المجال من المفيد استعراض آيات الجنّة وآيات النار وتفهم معانيها لتحسس معنى النعيم او الشقاء لأهل الجنّة واهل النار.

نهج البلاغة خطبة ١٩٣

وللحديث تتمة

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com