التوحيد في نهج البلاغة

 

ماذا تعني العبودية لله تعالى؟
 

المقدمة
 

   قد يتصور البعض من خلال قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ان الله سبحانه هو كالحكام المتسلطين والمستبدين في الارض يرتاح ويفرح لتعظيمه من قبل خلقه فما خلقهم الا لأجل عبادته كما في الآية السابقة، وهنا تكمن مشكلة الانسان في عدم معرفته لعظمة الله الذي لا يحتاج الى شيء من الاخرين، فالله سبحانه ليس كالبشر الذي يقصد شيئا من افعاله يحققه لنفسه كنيل الشهرة او المال او المجد او تحقيق شيئا لذاته ونفعه، فالله جل جلاله غني بذاته عن عباده ولا يحتاج اليهم في شيء من الاشياء وهو ما ذكره سبحانه في تتمة الآية السابقة بقوله: (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)، فهو القادر على ما يريد من دون حاجة للأخرين كما قال في كتابه الكريم (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)،

    فهو لا يحتاج الى فكر وتدبر وقرار وفعل ليحقق ما يريد كما يفعل المخلوقين، بل ان تحقيق ما يريده الله يتم بإرادته وقدرته فيكون فعلا حاضرا، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)،

   فكل خلقه وفعله انما هو لأجل الاخرين، وهو ما اشتملت عليه آيات الكتاب في بيان عظمة الله وقدرته وفعله، وما بينه انبياءه وحججه المعصومين في احاديثهم، ولذا فمعرفة الله هي من المسائل المهمة التي تتوقف عليها صحة العبادة، فحينما يعرف الانسان نفسه انه عبد لله، وان كل ما عنده هو من الله، وان الله قادر في كل لحظة على سلبه حياته وما خوله من نعمه، وان وظيفته هو الامتثال لأمر الله في طاعته والعمل بما يريده منه، فعند ذلك لا يجعل من نفسه ندا ولا ضدا ولا مكافئ لله، وانما هو عبدا يمتثل لأمر ربه وما يريده منه كما بينه الله في كتابه وعبر رسله وحججه المعصومين وليس له غير الطاعة والامتثال لأمر خالقه، فاذا علم الله خضوعه لأمره وتقربه اليه بالطاعات وفعل الصالحات، فتح الله عليه من ابواب فضله وتوفيقه للفوز بجنات النعيم ودرجات المقربين،

وفي حديث امير المؤمنين ع في نهج البلاغة عن التوحيد ما يلقي الضوء على حقيقة الربوبية والعبودية والذي سيقسّم الى حلقات لشرح بعض خفاياه وتفاصيله بأذن الله وتوفيقه.

 

التوحيد في نهج البلاغة   1
 

عن امير المؤمنين ع قال في توحيد الله:

💠مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ (اي جعل لله كيفا كالطول والعرض والسمك والكثافة او اي صفة من صفات التجسيم فهذه صفات المخلوقين المحكومين بالفناء وليست صفات الخالق الباقي الذي لا يموت)،

💠وَلاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ (فالتمثيل انما يكون بما هو موجود من الاشياء والتي هي بمجموعها من خلق الله تبارك وتعالى، فهو الذي انشأها وخلقها وابتدعها وحدد وقّت فنائها وانما هي بذاتها تدل على من اوجدها، ولذا يكون التمثيل بأشياء الدنيا بعيد عن الذات الالهية المقدسة الموجودة منذ الازل قبل خلق الخلائق وبعد فنائهم)،

💠وَلاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ (فالله جلّ جلاله لا يشبه اي شيء من مخلوقاته لا في الذات ولا في الخلق، فشتان ما بين المخلوق العاجز الفاني والذي يحتاج الى تدبير في كل لحظة، والرب الدائم الباقي قبل الخلق وبعده ومن دون حاجة لشيء من خلقه ؟، وشتان ما بين المخلوق المصنوع المحدود والخالق الذي يفيض على الوجود بإرادته وخَلقِه وقدرته)،

💠وَلاَ صَمَدَهُ (اي قصده وعيّنه) مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَتَوَهَّمَهُ (فالله سبحانه يجلّ عن التواجد في مكان او زمان محدد بل هو موجود في كل مكان وزمان، ومتى كان موجودا في مكان معين فقط فهذا يعني ان له حدودا وابعاد وهو غير الخالق الذي لا يخلو منه زمان او مكان فجميع الاشياء تقع تحت نظره وسيطرته)،

💠كُلُّ مَعْرُوف بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ (لان المعروف بالذات او الكنه يمكن معرفة اجزائه كما يدل على انه مفتقر في الوجود اليها وحاشا لله تعالى ان يكون مفتقرا لشيء بل هو الغني بذاته)،

💠وَكُلُّ قَائِم فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ (اي ناشئ من علة او سبب أوجده، وتعالى الله عن العلّة في وجوده فهو الموجود بذاته قبل الخلق والباقي بعد فنائهم من دون حاجة اليهم او الى شيء من خلقه).

نهج البلاغة خطبة١٨٦

وللحديث تتمة
 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com