نور من نهج البلاغة    8

 

عن امير المؤمنين ع عند تلاوته الاية: (رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ) قال في تتمة الخطبة:

وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لاَهْلاً (اي حملة وهم الذاكرون لله جلّ جلاله والعارفون بمنزلته فقلوبهم تنبض بذكره)،

أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلاً (اي استغنوا بذكر الله والسعي لمراضيه عن كل ما في الدنيا من زينة ولهو ولعب)،

فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْهُ، يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ (اي يسيرون بهذا المنوال ايام حياتهم الدنيوية القصيرة حتى يلقاهم بعد الموت)،

ويَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ في أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، (اي يعظون الناس ويوقظوهم من سكرة الغفلة ويزجروهم عن انتهاك حرمات الله)،

وَيَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ (فيأمرون بالعدل ويطبقوه على انفسهم)،

وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ (فقولهم عين فعلهم في الأمر بالطاعات او النهي عن المعاصي والمحرمات لا يقولون شيئا ويفعلون شيئا اخر)،

فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَى الاْخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا (اي كأنما عبروا الدنيا بعقولهم وارواحهم وهم لا يزالون في الدنيا)،

فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طولِ الاِقَامَةِ فِيهِ (وهو ما يغفل الناس عن هوله عند كشف غيب الاخرة عنهم وبدأ المسائلة بعد الموت من قبل منكر ونكير عن عقائد الانسان وفروضه ثم ما يكون من حياة البرزخ بعد الموت حتى النفخة الاولى ثم النفخة الثانية ثم القيامة)،

وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا (اي كأنكما شاهدوا كذلك ما ذكره الله في كتابه عن اخبارها واحداثها ووعده فيها من شدة الحساب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها)،

فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذلِكَ لاَهْلِ الدُّنْيَا، حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لاَ يَرَى النَّاسُ، وَيَسمَعُونَ مَا لاَ يَسْمَعُونَ (وهو ما يتطلب الانتباه والوعي لاحاديث حجج الله المعصومين ومن ذلك مما ورد في نهج البلاغة من تذكير وتحذير)،

فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ الْـمَحْمُودَةِ (اي لو تصورتهم بعقلك في مقام خطبهم بالوعظ والارشاد في ذكر الله وبلاغهم للناس {مقاوم جمع مقام اي في مقاماتهم عند خطاب الوعظ والارشاد}،

وَمَجَالِسِهِمُ الْمَشْهُودَةِ (وهو تتمة لتصور حال اولياء الله في اقوالهم ومجالسهم الممتلئة بذكر الله في خلواتهم)،

وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ (اي استعرضوا اعمالهم وما فعلوه من اداء حق الله {الدواوين جمع ديوان وهو مجتمع الصحف})،

وَفَرَغُوا لِـمُحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَعَلَى كُلِّ صَغِيرَة وَكَبِيرَة أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أَوْ نُهوُا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيهَا (اي حاسبوا انفسهم حسابا شديدا قبل حساب الله)،

وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ (اي استشعروا الذنوب التي يحملوها على ظهورهم)،

فَضَعُفُوا عَنِ الاْسْتِقلاَلِ بِهَا (اي عن حملها يوم القيامة)،

فَنَشَجُوا نَشِيجا ً(اي غصوا بالبكاء الما وحزنا لمخالفة امر ربهم العظيم)،

وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً (اي جاوب بعضهم بعضا في شدة النحيب والبكاء والتضرع لله تعالى)،

يَعِجُّونَ إِلَى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَم وَاعْتِرَاف (قد غلبهم الندم على ما فرط منهم فأولياء الله يعرفون مقام ربهم ويعلمون شدة اخذه لذا تفيض مجالسهم بذكر الله والتوبة اليه)،

لَرَأَيْتَ أَعْلاَمَ هُدىً، وَمَصَابِيحَ دُجىً، قَدْ حَفَّتْ بِهِمُ الْمَلاَئِكَةُ، وَتَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَفُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّماءِ، وَأَعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ، فِي مَقْعَد اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ، وَحَمِدَ مَقَامَهُمْ (فهكذا ينبغي ان تكون مجالس الذكر والدعاء)،

يَتَنَسَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ (اي يرجون بدعائهم الراحة والفرج والمغفرة لذوبهم {تنسم النسيم تشممه، والرَوْح ـ بالفتح ـ اي النسيم والراحة})،

رَهَائِنُ فَاقَة إِلَى فَضْلِهِ، وَأُسَارَى ذِلَّة لِعَظَمَتِهِ (فهم في حال دعائهم يستشعرون الفاقة والذل والحاجة لعظيم عفو الله لما هم فيه مرتهنين من الذنوب)،

جَرَحَ طُولُ الاَسَى قُلُوبَهُمْ، وَطُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ (فقلوبهم مجروحة بالحزن وعيونهم مجروحة بطول البكاء)،

لِكُلِّ بَابِ رَغْبَة إِلَى اللهِ سُبحانَهُ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعةٌ (فهم يقرعون ابواب فضل الله)،

يَسْأَلُونَ مَنْ لاَ تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ وَلاَ يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُونَ، (والمنادح جمع مندوحة وهي المتسع من الارض بمعنى يسألون من لا تضيق عليه الطلبات مهما اتسعت وتعددت)،

فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنَ الاَنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ (وهو فخلاصة الموضوع هو ان تكون مجالس المؤمنين وذكرهم كذكر اولياء الله ومجالسهم)
 

نهج البلاغة خطبة ٢٢١

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com