نور من نهج البلاغة    89
 

الهدف من الحكم

عن امير المؤمنين ع في بيان الغرض من الحكم قال:

💠 (اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَان، وَلاَ الْتمَاسَ شِيء مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ)

فالحكم الذي يتصارع عليه اهل الدنيا من اجل الحصول على المال والثروة، او الجاه والسلطان، او تلبية للدوافع الذاتية والعقد النفسية في التسلط والزعامة، او للنيل من شهوات الدنيا وحطامها الزائل، فانه ليس كذلك في نظر امير المؤمنين الذي حباه الله بفهم حقيقة الدنيا وتبدل احوالها واطوارها والغرض من وجودها وحقيقة الابتلاء الالهي فيها، فلم تكن قيمة الحكم عنده تزيد عن قيمة النعل البالي الذي لا يرغب فيه احد من الناس، وانما قبل المسؤولية بعد اصرار الناس وقيام الحجة بوجود الناصر كما في قوله ع في احدى خطبة: (أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْلاَ حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم، {اي لا يقرّوا للظالم على استئثاره بالحقوق وشدة ظلمه وتجويعه للمستضعفين والمظلومين}... لاَلقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِها، وَلاَلفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز {وهو ما تخرجه العنز من انفها مما لا يهتم به احد})

💠 (وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الاْصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ).

فالغرض من الحكم هو لإقامة دين الله واصلاح الوضع الفاسد من جميع النواحي الاخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية لرفع الحيف عن المظلومين والمستضعفين وإقامة حدود الله التي أنزلها لعباده والتي فيها سعادة الدنيا ونعيم الاخرة وهو ما ينبغي ان يكون الهدف العام للمتصدّين لإقامة الحكم العادل في جميع اجزائه الدستورية واجهزته التنظيمية والعملية.

💠 (اللَّهُمْ إِنّي أَوَّلُ مَنْ أَنابَ، وَسَمِعَ وَأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللهِ ،صلى الله عليه وآله، بِالصَّلاَةِ)

وذلك بيان لأهلية الامام للمسئولية والوظيفة الربانية التي كلف بحملها من حيث الالتزام والطاعة الربانية .

💠 (وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالمَغَانِمِ وَالاَحْكَامِ وَإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ)

ثم شرع عليه السلام في بيان صفات الحاكم الاسلامي وخطورة دوره من حيث الحفاظ على السلم والامن الاجتماعي والسياسي فلا ينبغي ان تكون الحكومة بعهدة البخيل والحريص على الدنيا فتكون في اموال المسلمين نَهمته، والنّهْمة ـ بفتح النون هي الشهوة في الشيء والافراط في تحصيله واستعماله

💠 (وَلاَ الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ)

فما لم يكن المتصدي لموقع القيادة من اهل العقل والعلم، فانه سوف يقود البلد الى مسالك تضلهم وتبعدهم عن الاهداف المرجوة وتدخلهم في متاهات لا جدوى فيها

💠 (وَلاَ الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ)

والجافي هو الفظ الغليظ القاسي القلب الذي يمنع الناس بأسلوبه من الشدة والقسوة من اخذ حقوقهم وما يسببه ذلك من النقمة في النفوس والاستعداد للثورة والتمرد عند وجود الفرصة لذلك

💠 (وَلاَ الجَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْم)

والمقصود بالدُّوَلِ ـ جمع دُولة بالضم ـ هو المال، لأنه يُتَدَاول أي يُنقل من يد ليد والمراد بالجائف للدول اي الذي يكون غرضه هو جمع المال لشراء به ذمم بعض الناس ليكونوا من اعوان الحاكم واتباعه فلا ينبغي ان يوضع من هكذا صفته على رأس المسئولية

💠 (وَلاَ الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ وَيَقِفَ بِهَا دُونَ المَقَاطِعِ)

فمن يكون عبدا للمال والهوى فإنه لا يراعي حقوق الناس ولا يقف بها دون المواقع اي الى الحدود التي عينها الله له

💠 (وَلاَ الْمَعطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الاُمَّةَ).

فمن يضيع سنن الله وفروضه على خلقه، ومن يعطل سنن رسوله، فإنه يعرض الامة الى الهلاك كما في قوله تعالى: [سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا]


نهج البلاغة خطبة ١٣١

الموضوع التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com