نور من نهج البلاغة   87

اليقين العملي برزق الله 
 


عن أمير المؤمنين ع في قال:

💠 (قَدْ تُكُفِّلَ لِكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بَالْعَمَلِ، فَلاَ يَكُونَنَّ الْمَضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ أَوْلَى بِكُمْ مِنَ الْمَفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ)،

كثيرا ما يكون الانسان في حيرة من أمره بين تقديم السعي للرزق او تقديم السعي للخيرات والصالحات فإن السعي عادة في احد هذين المجالين يأخذ وقت الانسان وعمره ولذا ينبه الحديث أهل الايمان الى ما تكفّل الله به من الرزق بقوله في سورة الذاريات: [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ]، اي ان الرزق من الله مضمون للعباد وان كان الرزق هو أوسع من تحصيل المال والثروة فجميع نعم الله من العافية وطول العمر والسلامة والعمل والزوجة الصالحة والأولاد وحسن العاقبة هي من رزق الله وهو ما ينبغي للمؤمنين والمؤمنات ان لا يغفلوا عنه، فكم من مريض يعاني من مرض عضال أو من مرض خبيث كالسرطان قد حفظهم الله وأنجاهم منه، وكم من زوجة سيئة أو ولد فاسد او زوج فاسق قد وقاهم الله من شرهم وضرهم بلطفه وكرمه، وكم من شرّ وضرّ من حوادث عابرة او طارئة قد دفعه الله عنهم وهم في غفلة عن ذلك، فجميع ذلك من رزق الله، والذي هو مرتبط بعدد من الأمور التي اوضحها الله في كتابه كقوله تعالى: [وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ]، وكقوله تعالى: [ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ].

💠 (مَعَ أَنَّهُ واللهِ لَقَدِ اعْتَرَضَ الشَّكُّ، وَدَخِلَ الْيَقِينُ {اَي ان اليقين بضمان الرزق من الله قد داخله أو خالطه الشك وفساد الاوهام والتصورات عند البعض من خلال عملهم الذي يخالف هذا الاعتقاد}، حَتَّى كَأَنَّ الَّذِي ضُمِنَ لَكُمْ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَكَأَنَّ الَّذِي قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ قَدْ وُضِعِ عَنْكُمْ).

فمن الملاحظ ان البعض في سلوكه العملي في تحصيل الرزق يتصرف بعكس اعتقاده النظري فكأن الرزق الذي ضمنه الله للعباد، هو وعد غير صادق منه، فيسعى الى تأمينه وتحصيله بكل السبل والامكانيات حتى يصبح شغله الشاغل في الحياة! وكأن العمل الصالح الذي أمرهم الله بفعله كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد اصبح موضوعا وساقطا عنهم فلن يطالبهم به او يحاسبهم عليه يوم القيامة!

💠 (فَبَادِرُوا الْعَمَلَ، وَخَافُوا بَغْتَةَ الاْجَلِ)،

فلا ينبغي للمؤمن تأجيل العمل الصالح وما ألزمه الله به من الواجبات والفرائض، فإن الأجل يأتي بغتة كما في قوله تعالى: [بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ]، وفِي قوله تعالى كذلك: [وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ، أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ].

💠 (فَإِنَّهُ لاَ يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الْعُمُرِ مَا يُرْجَى مِنْ رَجْعَةِ الرِّزْقِ)

فالعمر انفاس محددة وأيام معدودة كلما مضى يوم منها نقصت مدة الأجل وضاقت فرصة العمل الصالح قبل نزول الموت وخاصة بعد الكبر والعجز والشيخوخة.

💠 (مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ، وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوُمَ رَجْعَتُهُ).

فحينما يتوجه الله الى ربه ويسأله من أبواب رزقه وفضله التي أمر بها فان الله ينعم عليه بخير الدنيا والاخرة بما هو أعرف به منه وهو ارحم الراحمين

(الرَّجَاءُ مَعَ الْجَائِي {اَي الآتي فرحمة الله وسعت كل شيء}، وَالْيَأْسُ مَعَ الْمَاضِي {فلا ينبغي ان يضيع العمر حسرات على ما مضى}،

💠 (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).


نهج البلاغة خطبة ١١٤

الموضوع التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com