نور من نهج البلاغة   86

حقيقة الدنيا

عن أمير المؤمنين ع في التنبيه الى محدودية الدنيا قال مبتدأ بالتمجيد لله جلّ جلاله:

💠 (الْحَمْدُ للهِ غَيْرَ مَقْنُوط مِنْ رَحمَتِهِ، وَلاَ مَخْلُوٍّ مِنْ نِعمَتِهِ، وَلاَ مَأْيُوس مِنْ مَغفِرَتِهِ).

فالله سبحانه وتعالى له الفضل الدائم على العباد في كل شيء ومن ذلك ما فتح لهم من أبواب الرحمة الواسعة كما في قوله تعالى:

🌻 [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ]،


وكذلك ما اوضح من سعة مغفرته وعفوه عن السيئات بقوله :

🌻 [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]،

كما اوضح عن دوام نعمته الوفيرة على عباده من حيث يعلمون أو لا يعلمون بقوله:

🌻 [وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ].

وهو ما يستوجب الحمد والشكر الدائم لله سبحانه وتعالى باللسان وبالقلب.

💠 (وَلاَ مُسْتَنْكَف عَنْ عِبَادَتِهِ، الَّذِي لاَ تَبرَحُ مِنهُ رَحمَةٌ، وَلاَ تُفقَدُ لَهُ نِعمَةٌ).

فمن يعرف بعضا من صفات العظمة والقدرة لله جلّ جلاله والتي ذكرها في كتابه عن نفسه وتجلّت بها آياته، فانه لا يستنكف أو يترفّع أو يستكّبر عن عبادته بل يفتخر بعبادة هذا الرب الرحيم الكريم كما في مناجاة أمير المؤمنين بقوله: (إلهي ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة)، فكلما تدرج الانسان في معرفة الله كان اكثر خشوعا وطاعة لربه كما في قوله تعالى:

🌻 [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]

[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ]

🌻 [رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ]،

وكثير من الآيات الاخرى فالله سبحانه لا تغادر رحمته احدا ولا تفقد له نعمة عند احد من خلقه.

💠 (وَالدُّنْيَا دَارٌ مُنِيَ لَهَا الْفَنَاء ُ{اَي قدّر لها الفناء}، وَلاِهْلِهَا مِنْهَا الْجَلاَءُ {والجلاء هو الخروج عن الاوطان بلا رجعة والمراد به ترك الدنيا والانتقال لعالم الآخرة}، وَهِيَ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ {اَي تتمتع بالجمال والحيوية}، قَدْ عُجِّلَتْ لِلطَّالِبِ، وَالْتَبَسَتْ بِقَلْبِ النَّاظِرِ).

فالدنيا لها ظاهر ولها باطن، فظاهرها الجمال والزينة بما خلق الله فيها من أسباب النشاط والحيوية فهي حلوة خَضِرة لا يبدو عليه الذبول فمن يراها يتعلق قلبه بزينتها وبثمرتها العاجلة القريبة، لتكون محلا للفتنة والابتلاء، اما باطنها فهي مدة مؤقتة قصيرة لا تدوم على حال ولا تتوقف عن الحركة والانتقال بكل ما فيها حيث تتبدل أحوالها بين العافية والمرض والغنى والفقر والقوة والضعف والفرح والحزن وما شابه من أعراض الدنيا لتنتهي بزوالها واضمحلالها كما اخبر سبحانه في كتابه بقوله:

🌻 [إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]،

وفِي قوله كذلك:

🌻 [اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا، ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا، وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ].

💠 (فَارْتَحِلُوا مِنْهَا بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ {والمراد به العمل الصالح}، وَلاَ تَسْأَلُوا فِيها فَوْقَ الْكَفَافِ، وَلاَ تَطْلُبُوا مِنْهَا أكْثَرَ مِنَ الْبَلاَغِ)

وهو ما يعني ان يكون الانسان قانعا بحياته الدنيا فلا يوليها الاهتمام بأكثر من قدرها ومدة البقاء فيها فلا يطلب فيها بأكثر من الْكَفَافِ وهو ما يَكُفّ الانسان عن سؤال غيره وما يعينه على البلاغ او ما يتبلّغ به الانسان في الحياة للوصول الى سعادة الآخرة، اذ هو تارك كل شيء فيها الى الآخرين وراحل الى ربه بزاده الذي اكتسبه في حياته الدنيا والذي أوصى الله به بقوله [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]

 

نهج البلاغة خطبة رقم ٤٥


الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com