نور من نهج البلاغة   85
 

حقيقة الدنيا

 

عن امير المؤمنين ع قال في حقيقة وجود الانسان في الدنيا:

💠 (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيَا غَرَضٌ تَنْتَضِلُ فِيهِ الْمَنَايَا)

فالإنسان في الحياة الدنيا بحكم سنّن الله في الابتلاء والاختبار وقضائه وقدره للعباد يكون كالهدف الذي تترامى اليه المنايا بمعنى ان الانسان في معرض الموت في جميع حالاته اذ من الممكن ان يصيبه سهم الموت من حيث يدري ولا يدري.

💠 (مَعَ كُلِّ جَرْعَة شَرَقٌ، وَفي كُلِّ أَكْلَة غَصَصٌ)

فالإنسان قد يأتي أجله في طعامه او شرابه فقد يشرب الماء ليرتوي او ليزيل الطعام الذي وقف في بلعومه فاذا به يشرق بشربة الماء فيذهب الماء الى القصبة الهوائية والجهاز التنفسي فيمنع عنه الهواء ويؤدي الى اختناقه وموته او قد يغص في تناول الطعام فتتوقف لقمته في المريء او يقف عظم في بلعومه ويؤدي الى موته فالموت يأتي من حيث لا يحتسب الانسان.

💠 (لاَ تَنَالُونَ مِنْهَا نِعمَةً إِلاَّ بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلاَ يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ، وَلاَ تُجَدَّدُ لَهُ زِيَادَةٌ فِي أَكْلِهِ إِلاَّ بَنَفَادِ مَا قَبْلَهَا مِنْ رِزْقِهِ)

فمن سنن الله في الحياة ان تتغير احوال الدنيا ومن فيها في حركة قهرية فلا ينال الانسان نعمة الا بفراق اخرى فقد يكتسب المال ويثرى او ينال درجة عالية من العلم او يحقق بعض امانيه من الزواج والاولاد والعمل الجيد واقتناء منزل ووسيلة متطورة وامثال ذلك من النعم الا انه في قبال ذلك قد يخسر عافيته او يصاب بمرض عضال او يفقد احد احبته بالموت او غير ذلك من الابتلاءات التي تصيب الانسان بفعل العوامل الخارجية او الداخلية والتي قد تخرج عن ارادته وتوقعه، فكل نعمة لها استحقاق بفوات نعمة اخرى من زوال الشباب والقدرة وامثال ذلك، بل ان كل يوم يمضي من الحياة انما يعني قلة المدة المتبقية للعيش في الدنيا فلكل انسان اجل محدود كما في قوله تعالى: [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ].

💠 (وَلاَ يَحْيَا لَهُ أَثَرٌ إِلاَّ مَاتَ لَهُ أَثَرٌ، وَلاَ يَتَجَدَّدُ لَهُ جَدِيدٌ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَخْلَقَ لَهُ جَدِيدٌ، وَلاَ تَقُومُ لَهُ نَابِتَةٌ إِلاَّ وَتَسْقُطُ مِنْهُ مَحْصُودَةٌ)

فالإنسان في مدة عمره في الحياة الدنيا لا يترك اثرا فيها الا بفقدان اثر اخر منه كقصر العمر وتبدل الحول والقدرة، ولا يتجدد له شيء من الرزق الا بعد ان يُبلى ويتآكل ما كان عنده من قبل، ولا تقوم له نابتة او ينال ثمرة لسعيه وجهده الا ويكون لها ثمن من حياته وعمره لينتقل بعدها الى عالم الاخرة حيث يكون هناك الحساب النهائي والجزاء الذي يقابل سعيه الدنيوي الذي يجني ثمرته الحقيقية في دار القرار

نهج البلاغة خطبة ١٤٥

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com