نور من نهج البلاغة     83

 

 اهل الله واهل الدنيا

 

عن امير المؤمنين ع في بيان صفات الاتقياء من اهل العلم الربانين قال:

💠 (عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبداً أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الْحُزْنَ، وَتَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ).

فمن أحبه الله وفّقه وهداه لطاعته، وهو ما يعني ضرورة التوجه الى الله اولا ليعين العبد على نفسه الأمّارة بالسوء وعدم الغفلة عن الاخرة، فالموت يأتي من دون اخبار، فمن يستشعر الحزن في نفسه عند المعاصي ويخشى ربه ودقة حسابه في الاخرة فان قلبه يزهر او يضيء بمصباح الهدى بفضل الله ورحمته.

💠 (واعَدّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَهَوَّنَ الشَّدِيدَ).

فمن صفات الذي يحبه الله هو ان يحسب حساب الموت قبل نزوله فيعدَّ القٍرَى وهو ما يُهَيّأ للضيف من الزاد عند مجيئه، والمراد به العمل الصالح الذي يتزود به المؤمن لأخرته، فالمؤمن لا يطيل الأمل في البقاء في الدنيا فيعمل للأخرة وهو ما يهوّن عليه كرب الموت وشدائده .

💠 (نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَارتَوَى مِنْ عَذْب فُرَات سُهِّلَتْ لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً {اي شرب حتى ارتوى}، وَسَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً)

فمن نظر في امور الدنيا وأحداثها وما يجري فيها من سنن الله فإن الله يوفّقه الى البصيرة وذكر الموت، فيستكّثر مما يعدّه له من الزاد والارتواء من نهل الهداية والسير في الطريق الجدد وهي الارض الصلبة المستوية التي يسهل السير عليها بأمن للوصول الى الغاية المنشودة.

💠 (قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ، إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ {وهو هم النجاة في الاخرة}، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَمُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَصَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى، وَمَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى).

فمن اراد الاخرة لابد له وان يخلع سرابيل الشهوات المحرمة اولا لتكون التقوى هي سبيله ووسيلته التي يصل بها الى النجاة في الاخرة، فيخرج عندئذ عن صفة العمى ومشاركة اهل الهوى الذين عميت قلوبهم عن رؤية الحق فينعم عليه الله بالعلم ويجعله من مفاتيح ابواب الهدى ومغالق ابواب الهلاك والردى.

💠 (قَدْ أبصَرَ طَرِيقَهُ، وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، وَعَرَفَ مَنَارَه ُ{اي العلامات التي يهتدى بها في الطريق}، وَقَطَعَ غِمَارَهُ {وهو معظم البحر، والمراد أنه عبر بحار المهالك في الدنيا إلى سواحل النجاة في الاخرة}، وَاسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَمِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ)

فصفة العالم المتقي هو الوضوح في الرؤيا لأنه سلك طريق الله وعرف مناره واستمسك بأوثق العرى وامتن الجبال من اتباع آيات كتاب الله واحاديث حججه فملأ اليقين قلبه والعلم فؤاده.

💠 (قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ للهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الاْمُورِ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِد عَلَيْهِ، وَتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْع إِلى أَصْلِهِ)

فلا يتحدث العالم بالأمور جزافا وفق رأيه وهواه بل هو يرجع فيها الى الله ويرجع الفروع الى اصولها بما حكم الله سبحانه.

💠 (مِصْبَاحُ ظُلُمَات، كَشَّافُ غَشَوَات، مِفْتَاحُ مُبْهَمَات، دَفَّاعُ مُعْضِلاَت، دَلِيلُ فَلَوَات {وهي الصحراء الواسعة والمراد بالعبارة العلم والمعرفة في طريق الله}، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، وَيَسْكُتُ فَيَسْلَمُ ، قَدْ أَخْلَصَ للهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَأَوْتَادِ أَرْضِهِ).

فالعالم والعارف بالله يكون مصباحا للقلوب ينير ظلمات الحياة ويكشف عن الغشوات التي تمنع البصيرة والنظر الثاقب للأمور فهو يدفع المبهمات وما صعب على الناس فهمه ومعرفته ويحل المعضلات او الصعاب من المشاكل ويدل الناس على طريق الهدى فاذا تحدث عندما ينبغي الكلام فهم الناس مقصده وحديثه واذا سكت حين يتعذر الكلام يكون ذلك مدعاة للسلامة والعافية فإن من يخلص لله يستخلصه الله لنفسه ويجعله من معادن دينه واوتاد ارضه التي يثبت بها الايمان في النفوس

💠 (قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْعَدْلَ ، فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الْهَوَى عَنْ نَفْسِهِ، يَصِفُ الْحَقَّ وَيَعْمَلُ بِهِ، لاَ يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلاَّ أَمَّهَا {اي توجه نحوها}، وَلاَ مَظِنَّةً {اي موضع ضن لوجود الفائدة} إِلاَّ قَصَدَهَا، قَدْ أَمْكَنَ الْكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ {اي توجيه امره}، فَهُوَ قَائِدُهُ وَإِمَامُهُ، يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ {اي ما اشتمل عليه في تفاصيله من اوامر ونواهي}، وَيَنْزِلُ حَيْثُ كَانَ مَنْزِلُهُ {اي منزل كتاب الله}.

ثم تطرق ع الى علماء السوء فقال:

وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ {اي ليس له به صفة العلم غير الملبس}، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّال، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلاَّل، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حبالِ غُرُور، وَقَوْلِ زُور، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلى أَهْوَائِهِ {اي حمل الحقّ على رغباته، فلا يعرف حقّاً سواها}، يُؤْمِنُ مِنَ الْعَظَائِمِ {اي من عظائم الامور والمعاصي}، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ: أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ: أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ، وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَان، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَان، لاَ يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلاَ بَابَ الْعَمَى فيَصُدَّ عَنْهُ، فَذلِكَ مَيِّتُ الاْحْيَاءَ.

نهج البلاغة خطبة  ٨٦

 

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com