نور من نهج البلاغة    82
 

الاستعداد للأخرة

عن امير المؤمنين ع في الحث على الاستعداد للأخرة قال :

(عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الدَّهْرَ يَجْرِي بِالْبَاقِينَ كَجَرْيِهِ بِالْمَاضِينَ، لاَ يَعُودُ مَا قَدْ وَلَّى مِنْهُ، وَلاَ يَبْقَى سَرْمَداً مَا فِيهِ).

اي ان سنن الله في خلقه واحدة لا تتبدل بمرور الزمان كما اوضح في كتابه بقوله: [سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا]، فما جرت به الامور في الماضين من سوء العاقبة او حسن العاقبة نتيجة اعمالهم، انما هي تجري اليوم في الناس جميعا، فلا يعود الزمان بالذي مضى منه، ولا يبقى سرمدا خالدا على ذات الحال التي هو فيها، فهكذا خلق الله الكون كله في حركة وتغير طبقا لإرادته ومشيئته.

(آخِرُ فَعَالِهِ كَأَوَّلِهِ مُتَسَابِقَةٌ أُمُورُهُ مُتَظَاهِرَةٌ أَعْلاَمُهُ)

اي ان اخر افعال الدهر بالناس كأوله، فسنن الله واحدة في العباد، فما جرى على الماضين فانه يجري على الباقين، فالجميع يخضعون لقوانين الله في خلقه وسننه في عباده، فكل الناس هم في دائرة الامتحان الالهي وفق قدره وقضائه، والجميع يموتون في النهاية، ثم يبعثون للحساب في يوم القيامة، [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ].

(فَكَأَنَّكُمْ بَالسَّاعَةِ تَحْدُوكُمْ حَدْوَ الزَّاجِرِ بِشَوْلِهِ)

فكأن الموت يسوق الناس الى غايتهم الحتمية كما يسوق زاجر الابل او سائقها بوضع صغار الابل امامها لكي تهتم بها وترعاها {الشول هي الابل التي مضى عليها سبعة اشهر}، وهو تشبيه لانشغال الناس في قضاياهم الخاصة من الابناء والاولاد والازواج والاحفاد وشؤون الدنيا الصغيرة حتى يأتيهم الموت بغتة فينتقلون من ظهر الارض الى بطنها ليواجهون الحياة الاخرة كما في قوله تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً، وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ].

(فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ فِي الظُّلُمَاتِ، وَارْتَبَكَ فِي الْهَلَكَاتِ)

اي من كان شغله بالأخرين اكثر من شغله بنفسه واعدادها لما بعد الموت، فانه سيتحير في ظلمات الدنيا من عدم معرفته طريق النجاة ويرتبك عند مواجهة سوء الاوضاع والاحوال في الظروف الصعبة لجهله بطريق السلامة رغم الحجج التي اقامها الله عليه عبر كتبه وانبيائه ورسله.

(وَمَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ فِي طُغْيَانِهِ وَزَيَّنَتْ لَهُ سَيِّىءَ أَعْمَالِهِ)

فحين يضيع الانسان عن سبيل النجاة في الاخرة فانه يقع في شباك الشيطان وأسره حيث يزين له سوء عمله وينسيه الاخرة والاعداد لها كما في قوله تعالى: [وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] فيتيه في ذاته ومصالحه الخاصة غافلا عن مجيء الموت على غفلة ومن دون سابق اخبار.

(فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَالنَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ)

فمن يكون همه الحياة الاخرة ويجتنب المعاصي ويسارع للخيرات فانه يفوز بالسبق الى الجنة، اما من فرط في طاعة الله وأداء ما اوجب عليه من الحقوق والواجبات فان مصيره هو الخلود الابدي في النار [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]


نهج البلاغة خطبة رقم ١٥٧


الموضوع التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com