نور من نهج البلاغة    81
 

الزمن الصعب

عن امير المؤمنين ع في وصف المتقين في الزمن الصعب الذي تختلط فيه الاوراق ويكثر في النفاق قال:

(وَذلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاَّ كُلُّ مٌؤْمِن نُوَمَة)

النُوَمَة لغة هو الكثير النوم الا ان المراد به في الحديث هو المتغافل عن القضايا السياسية والاجتماعية وعدم الاشتراك فيها بحيث يتصوره الناس نائما او منصرفا الى شؤونه الخاصة.

(إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعرَفْ وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفتَقَدْ)

اي ان الناس لا يميّزوه ان كان حاضرا بينهم او غائبا عنهم فليس عليه من مظاهر الابهة والسلطنة والشهرة التي يتميز بها الاثرياء او ذوي الموقع الاجتماعية او السياسية الهامة من امثال وجود الحرس الخاص والجند والمرافقين وامثال ذلك

(أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى، وَأَعْلاَمُ السُّرَى)

اي ان اولئك المؤمنين الذين تظاهروا في الظروف الصعبة بانهم من النُوَمَة واجتنبوا الدخول في الواقع السياسي المعقّد والذي لا يستطيعون تغيره او تبديله او الوقوف بوجهه ومحاربته هم الذين يشملهم الله برحمته، فهناك بعض الاوقات والظروف السياسية القاسية التي تمر بالأمة لا يستطيع المؤمن ان يجهر فيها بمعتقداته فيكون بين خيارين اما مشاركة الظالمين في ظلمهم والتعرض لسخط الله، او التظاهر بانه من النُوَمَة المنكبين على انفسهم بعد العجز عن محاربتهم اتقاء لشرهم واذاهم، ولذا يمن الله على المؤمن المتقي برحمته فيجعله مصباحا من مصابيح الهدى وعلما من اعلام السُرى، والمراد بمصابيح الهدى اي الذين يضيئون للناس طريقهم في الليل المظلم الدامس او الواقع السيء المظلم كما انهم يمثلون اعلام السُرى اي الذين يدلّون الناس على الطريق عندما يسيرون امامهم في الليل المظلم ليرشدوهم الى طريق السلامة

(لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ)

فمن صفات هؤلاء المتقين المحتاطين في الزمن الصعب انهم ليسوا بالْمَسَايِيحِ {جمع مِسْيَاح}، {وهو الذي يَسيح بين الناس بالفساد والنمائم}، كما انهم ليسوا بالمذاييع {جمع مذياع} وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونشرها بين الناس بسفه ولغو، اي بعيدين عن الاخلاق السيئة والتطرق الى الشؤون الخاصة للناس


(أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللهُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ، وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ)

اي إن هؤلاء المتقون بسلوكهم الحذر من عدم موالاة الظلمة ومجاراتهم في الفساد الاخلاقي والسياسي، ينالون الرحمة من الله ويجعلهم في حفظه ورعايته فينير الله لهم طريق الرشاد ويفتح عليهم ابواب الهدى والسلامة والمغفرة ويدفع عنهم البلاء والضراء لتبقى جذوة الايمان متقدة في انفسهم وفي المجتمع.

(أَيُّهَا النَّاسُ، سَيَأْتي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الاْسْلاَمُ، كَمَا يُكْفَأُ الاْنَاءُ بِمَا فِيهِ)

فتغير الازمان والاحوال هي بعض من سنن الله في اختبار خلقه، سواء في الماضي او الحاضر وقد يتعرض الناس الى زمان يُلبس الدين فيه مقلوبا وتنقلب المفاهيم الاسلامية الى عكسها ويكفأ فيه الدين كما يكفأ الاناء بما فيه ويكون القابض فيه على دينه كالقابض على جمرة من النار وهو ما يستدعي الثبات على الدين والتوجه الى رب العالمين

(أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيكُمْ، وَقَدْ قَالِ جَلَّ مِنْ قَائِل: (إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ).

فالابتلاء في الدنيا أمر لابد منه مهما تغيرت الاحوال والاعمار ومن رحمة الله انه لا يحمّل نفسا الا وسعها، فبدلا من التذمر والشكوى ينبغي ان يبادر اهل الايمان الى فعل الخيرات والصالحات فهو السبيل الى الفوز في الدنيا والاخرة كما اوضح في كتابه بقوله [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ]

نهج البلاغة خطبة ١٠٢

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com