نور من نهج البلاغة   80

العلم والايمان
 

عن امير المؤمنين ع في صفة العالم قال:

(الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدرَهُ، وَكَفَى بِالْمَرءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدرَهُ)

يتصور بعض الناس انه اذا عرف بعض العلم في المجالات العلمية انه اصبح عالما، وقد يكون فعلا انه احرز نصيبا منه الا ان حقيقة العلم هو العلم بالله جل جلاله فكل العلوم الانسانية تكشف عن بعض مظاهر عظمة الله وعلى كونه الخالق العظيم الذي اوجد كل شيء في الكون بقوانينه وسننه كما في قوله تعالى: [وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]

فمن يتصور ان باستطاعته ان يفعل كل ما يريد وانه حاز العلم والقوة والقدرة فهو جاهل بالله اولا، وجاهل بنفسه وعاقبة امره ثانيا، فهو لا يستطيع ان يغير ولو شيئا بسيطا من سنن الله في نفسه ناهيك ان يغير بعض سنن الله في خلقه، وهذا ما يجعل الانسان الواعي يلاحظ نفسه ويرى حقيقة علاقته بالخالق العظيم.

(وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ لَعَبدٌ وَكَّلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ)

فمن يكله الله الى نفسه او يعهد امره اليه {وهو ممن يبغضه الله} فانه يتخبط في الجهل والضياع والغفلة فيتيه عن سبيل الله ويسقط في شراك الشيطان وهو يحسب انه يسير في الطريق الصحيح حتى تحين ساعة وفاته ورحيله عن الدنيا فيدرك ما هو فيه من الجهل والغفلة والبعد عن الله حيث لا ينفعه الندم [حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ]

(جَائِرٌ عَنْ قَصدِ السَّبِيلِ، سَائِرٌ بَغَيْرِ دَلِيل)

فصفة الذي وكله الى نفسه انه حائد عن الطريق المستقيم كما في قوله تعالى [وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ {اي بيان الطريق المستقيم}، وَمِنْهَا جَائِرٌ {اي من السبل حائد عن الاستقامة}، وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]، فالله اقام الحجة على العباد في كتابه ورسله، ولكنهم لا يعتمدون على دليل من كتاب الله او على حديث بين من حججه وانما يتبعون اهوائهم.

(إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، أوْ إِلَى حَرْثِ الاْخِرَةِ كَسِلَ)

فاذا دعي الى ما فيه الفائدة من الدنيا بادر لفعله وتحمل عنائه ومخاطره اما اذا دعي الى ما فيه نفع لاخرته تكاسل وتراخى عن المضيّ في انجازه

(كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ {اي تراخى فيه} سَاِقطٌ عَنْهُ)

فكأن العمل للدنيا هو الواجب عليه فعله اما العمل للأخرة الذي اوصى الله به في كتابه فهو ساقط عنه.


نهج البلاغة خطبة ١٠٢

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com