نور من نهج البلاغة    78

حقيقة الزهد

 

عن امير المؤمنين ع في التقوى والورع قال:

💠 (أَيُّهَا النَّاسُ، الزَّهَادَةُ قِصَرُ الاْمَلِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، والورعُ عِنْدَ الْـمَحَارِمِ)

كثيرا ما يتحدث الناس عن الزهد في الدنيا بمفاهيم خاطئة بعيدة عن الاصول الدينية الحقة حيث يقعون بين الافراط والتفريط غافلين عما اوضحه الله في كتابه عن معنى الزهد الحقيقية وشجبه للرهبانية في ادعائها للزهد بقوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ]، ولذا يوضح الامام مفهوم الزهد الواقعي بمفهوم عملي يتضمن الاشارة الى العناصر الاساسية التي ترغّب في الاخرة وتقدمها على الدنيا.

فالعنصر الاول هو قصر الامل وهو ما يعني انتباه الانسان الى قصر الحياة في الدنيا وسرعة انتهائها ومجيء الموت على حين غفلة ومن دون سابق اخطار وهو ما بيّنته كثير من الآيات كقوله تعالى: [قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ]، وكقوله سبحانه كذلك: [هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ]، فقصر الأمل يعني الواقعية في النظرة الى الحياة الدنيا واستشعار مغادرتها في اي لحظة مما يجعل المؤمن حذرا في افعاله واقواله خشية ان ينزل به الموت وهو في حال المعصية فتؤدي الى خسران الاخرة.

العنصر الثاني من الزهد يتجلى في الشكر لله على نعمه وفضله فنعم الله لا تعد ولا تحصى والتي تناولت بعض الادعية توضيح بعض معالمها {كدعاء الامام الحسين ع في عرفة}، فالإنسان غارق في نعم الله قبل مجيئه الى الدنيا وبعد مجيئه اليها وطوال حياته فيها اذ هو في كل لحظة محتاج الى نعم الله ولا يستطيع العيش من دونها سواء النعم الداخلية التي يتضمنها جسمه بكل اجزائه من البدن والنفس والروح او النعم الخارجية التي تمكنه من العيش في وسط هذه المنظومة العظيمة من خلق الله من السماء والارض وما فيهما من روائع خلق الله في الكون، [إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ]، ومن هنا يكون الاحساس بنعم الله والشكر عليها يمثل جانبا اخر من الزهد في الدنيا لأنه يستبدل بعض النعم الدنيوية الزائلة بنعم لله في الاخروية الباقية اما الذي يسخط على نعم الله وفضله في الدنيا فإنه لا يستطيع ان يكون زاهدا لان نفسه تتطلع الى الدنيا وزينتها فاذا ما واتته الفرصة للحصول عليها فانه ينتهزها تاركا الزهد وراء ظهره.
العنصر الثالث الذي يمثل الزهد الواقعي هو الورع عما حرّمه الله فلا تدنوا نفس الزاهد الى الحرام الذي يسوقه الى سبل الشيطان والتي تبعده عن طريق الزهد في الدنيا [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]،

فهذه العناصر الثلاثة من قِصَرُ الاْمَلِ، وَالشُّكْرُ عِنْدَ النِّعَمِ، والورعُ عِنْدَ الْـمَحَارِمِ، هي التي تمثل الزهد الواقعي في الدنيا والرغبة في دار القرار

💠 (فَإِنْ عَزَبَ ذلِكَ عَنْكُمْ {اي بعد عنكم مفهوم الزهد ولم تعيروا اهمية لهذا الجانب} فَلاَ يَغْلِبِ الْحَرَامُ صَبْرَكُمْ، وَلاَ تَنْسَوْا عِنْدَ النِّعَمِ شُكْرَكُمْ)

وهو ما يعني التنبيه الى ضرورة ترك الحرام وادامة الشكر لله فترك الحرام يفتح الباب الى رحمة الله وعفوه [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ]، وادامة الشكر لله يجدد نعم الله على عبده كما في قوله تعالى: [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ]

💠 (فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْكُمْ بِحُجَج مُسْفِرَة ظَاهِرَة وَكُتُب بَارِزَةِ الْعُذْرِ وَاضِحَة)

اي ان الله سبحانه قد اقام الحجّة على العباد بما ارسل اليهم من الانبياء والرسل والمعصومين من اوليائه، وبما انزل اليهم من الكتب الواضحة التي تضمنت الآيات البينات كما في قوله تعالى [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ]، وقد امر باتباع آياته واحكامه كما في قوله تعالى: [وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]

نهج البلاغة خطبة ٨٠

الموضوع التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com