نور من نهج البلاغة    77 

صفة الدنيا
 


عن امير المؤمنين ع في وصف الدنيا قال:

💠 (مَا أَصِفُ مِنْ دَار أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ)

فالدنيا من طبيعتها ان الانسان في معرض المعاناة بين ما يريد وما وبين ما تجري عليه الدنيا من القوانين والسنن الالهية والتي تشتمل على الابتلاء والاختبار الالهي، فالحياة الدنيا تجري بقوانين الله وسننه وقضائه وقدره وليس على الهوى والتصورات والاوهام الشخصية، ولذا تعددت الآيات عن سنن الله وقوانينه وعن كون الحياة تشتمل على المعاناة بقوله: [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ]، كما بيّن سبحانه خاتمة الانسان وانه سيلاقي جزاء عمله بقوله: [يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا، وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا].

💠 (فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ).

فما يناله الانسان من حلال الدنيا فانه يسأل عنه يوم القيامة من اين اكتسبه وفيما انفقه وهل ادى حق الله فيه وغير ذلك من الموارد التي بينها الله في كتابه اما ان كان المال قد اكتسب من حرام فان له اثره من عقوبات الدنيا المعنوية والمادية التي تقابل كل عمل بنوعه الخاص به اضافة الى عقوبات الاخرة عند الموت وفي البرزخ وفي الاخرة التي وعد الله بها في كتابه بقوله: [وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ، كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا، أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ].

💠 (مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ)

اي ان اصابه الغنى والسعة في المال والحال وقع في الفتنة لما يزينه الشيطان من الشهوات في نيل زينة الدنيا وترفها كما في قوله تعالى: [زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ {وهو ما يمثل الشهوة الجنسية الشديدة}، وَالْبَنِينَ {وهو ما يمثل القوة العددية والزعامة} وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ {وهو ما يمثل القدرة المالية الكبيرة } وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ {وهو ما يمثل انواع وسائل النقل ومنها السيارات المتميزة والمترفة} وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ {وهو ما يمثل الثروة الاقتصادية}، ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ]، فجميع هذه الامور تكون من عناصر الفتنة والاختبار للإنسان عند اليسر، اما ان كان نصيبه من الدنيا هو الفقر بقضاء الله وقدره فانه يحزن على عدم تمكنه من الدنيا، مع ان الغنى والفقر هما وجهان للابتلاء الدنيوي ولذا اوضح الله سبحانه بضرورة التسليم لقضاء الله بقوله: [مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ، لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ].

💠 (وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ)

{اي من جارى الدنيا وماشاها لتيسير اموره فانه لن يصل الى تحقيق اهدافه التي يرجوها منها فالدنيا كظل الانسان كلما اقترب منه ابتعد عنه او هي كالسراب الذي لا وجود له الا في عين الانسان والذي قال الله فيه: [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ]

💠 (وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ)

اي من قعد عن طلب الدنيا والسعي ورائها فإنها تطاوعه وتستجيب له فالزاهدون بالدنيا هم الرابحون في الدنيا والاخرة

💠 (وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ)،

فمن سعى لتحصيل البصيرة في الدنيا والاستفادة منها للعبرة من الوقوع فيما وقع بها السابقون فان الدنيا تبصّره وتحكي له ما صاب الامم السابقة كما اوضح الله في كتابه بقوله: [أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ]

💠 (وَمَنْ أَبْصَرَ إلَيْهَا أَعْمَتْهُ)

اما من رغب في الدنيا وجعلها غاية سعيه وجهده فإنها تعمي قلبه عن رؤية صفاتها وحقيقتها كما في قوله تعالى: [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ]

وهو ما اوضحه الله سبحانه في حقيقة الموت والحياة الدنيا بقوله: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]

نهج البلاغة خطبة ٨١

الموضوع التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com