نور من نهج البلاغة    76

  الفتن واسبابها

عن امير المؤمنين ع في اسباب نشوء الفتن واثارها قال :

💠 (إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً، عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ)

فأصل الفتنة هو ما يزينه الشيطان من الهوى في النفوس التي ترغب في الدنيا وزينتها فعندها يُترك كتاب الله وحكمه ويُبتدع من الاحكام ما يكون فيه مخالفة لكتاب الله سيما لقادة الفتن الذين يعرفون الحق من الباطل، ثم يستعملون اتباعهم واشياعهم بشتى الوسائل والاساليب من الاغراء او التنكيل والتجهيل لمساندتهم والوقوف معهم غافلين عن تحذير الله من الشيطان وكيده كما في قوله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ]، وبقوله كذلك: [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ].

💠 (فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَق ِّ{اي مزجه مع الحق} لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ)

اي المشكلة التي تكون في حالة وقوع الفتنة في النفس او بين الناس هي التداخل الذي يكون بين الحق والباطل بحيث يصعب التميز بينهما ومعرفة الحق من الباطل، فحينما يُعرض الباطل من قبل المدافعين عنه فإنه يُمزج ببعض الحقائق او المسلّمات التي يعترف بها الناس او الموضوعات التي تمثل جزء من الاحداث والوقائع الفعلية ولكن الانحراف يكون عندما يراد ان يُوصل للنتائج حيث يتم تحويل الاتجاه الى التكبير والتصغير الذي يكون في غير محله ومقصده، فلو ان الباطل عرض بموضوعية خالصا من مزجه مع الحق لما خفي على المرتادين او الطالبين للحقيقة امره.

💠 (وَلَوْ أَنَّ الْحقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ البَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ)

فلو كان الحق واضحا بيّنا ومجردا من تلبيس الباطل به لسطع نوره في العقول والقلوب وما استطاع اهل الباطل او المعاندين من الطعن والافتراء

💠 (وَلكِن يُؤْخَذُ مِنْ هذَا ضِغْثٌ)

اي يؤخذ قبضة من الشيء والمراد به القبضة من الحق ولكن بعد الاضافة اليه او مزجه بشيء من الباطل وأصله هو القبضة من الحشيش التي يختلط فيها اليابس مع الرطب فلا هو حشيش يابس يمكن حرقه او التخلص منه ولا هو رطب خالص يمكن الاستفادة منه.

💠 (وَمِنْ هذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ)

اي يُؤخذ القبضة من الطرف الثاني المعاكس له والمراد هو خلط الامرين بحيث يصعب التمييز بينهما او كما يعبر عنه في السياسة اليوم بخلط الاوراق لتضييع الوصول للحقيقة.

💠 (فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى)

ففي مثل هذه الخلط بين الامور وتضييع الحق من الباطل فإن الشيطان يستطيع ان ينفد الى عقول الضعفاء واهل الدنيا والخاضعين لتأثيره وكيده ووسوسته فيشد عضدهم ويُزين لهم اعمالهم حتى اذا ما نزلت بهم العقوبات الالهية او جاءهم الموت نكث بوعده كما قال الله في كتابه: [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ، وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ، إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ، إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]، فينجي الله المتقين والذين افاض عليهم من هداه وفضله [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ]،ولذا اوصى تعالى المؤمنين بالتعقل والحكمة بقوله: [وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا] .


نهج البلاغة خطبة ٥٠

الموضوع التالي

 

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com