نور من نهج البلاغة   6


عن امير المؤمنين ع قال في التحذير من الدنيا:

إِنَّ المَالَ وَالبَنِينَ حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ،

   اي ان غاية ما يناله الانسان في دنياه هو تحصيل المال الذي يسميه البعض بعصب الحياة حيث يمكن ان يسخّره في تحصيل شهوات الدنيا وزينتها، ثم البنين وهو ما يمثل القوة والقدرة الدنيوية التي تتيح له ان يمد قدرته ونفوذه الى الاخرين رغما عنهم، الا ان حيازة المال والبنين يجعل دائرة حساب من ينالهما يوم القيامة اكبر واشد من الاخرين حيث سوف يسأله الله عما اتاه من النعم والملك في الدنيا وعن تصرفه فيها كما قال في كتابه: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)،

   فهذا هو حرث الدنيا او ما يناله الانسان من ثمرة للدنيا، اما حرث الاخرة او ما يزرعه الانسان في الدنيا ليحصده في الاخرة فهو العمل الصالح الذي يرضاه الله بما ذكره في كتبه التي ارسلها للعباد وحججه من الانبياء والاوصياء الذين جعلهم الله مبلغين عنه والمنذرين بيوم الحساب كما في قوله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وقد اوضح سبحانه هذه الحقيقة عن المال والبنين في قوله تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) بما يعني ان المهم هو العمل الصالح والذي يكون حصاده في الاخرة ،

ولذا يوضح امير المؤمنين في خطبته ما يلزم الناس بعد ذكره للمال والبنين بقوله:

وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللهُ لاِقْوَام، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاخْشَوْهُ خَشْيَةً لَيْسَتُ بَتَعْذِير (اي لا تكون عذرا لتبرير سوء الاعمال والتصرفات امام الاخرين فالله لا يخفى عليه شيء من اعمال الانسان كما قال في كتابه: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)،

وَاعْمَلُوا في غَيْرِ رِيَاء وَلاَ سُمْعَة، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ يَكِلْهُ اللهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ (فالرياء والسمعة يمثلان سعي الانسان لطلب رضى الناس وهو جهل بمقام الربوبية فالله لا يقبل ان يكون معه شريك اذ هو الخالق والمحيي والرازق والمدبّر الامر لجميع الخلائق، ولذا فقد جعل أجر من عمل لغيره ان يأخذه ممن عمل له، وهو ما يعني ان المرائي ومن يعمل لغير الله لن ينال شيئا من الدنيا او من الاخرة فالذي يعجز عن تدبير نفسه فكيف يقوم بتدبير غيره؟)،

نَسْأَلُ اللهَ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَمُعَايَشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الاْنْبِيَاءِ.

نهج البلاغة خطبة رقم ٢٣

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com