نور من نهج البلاغة    65
 

عن امير المؤمنين ع في الخلافة وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بالشِّقْشِقِيَّة

أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، ((وفي بعض الكتب ذكر فيها ابن ابي قحافة)، والمراد من تقمصها اي جعل الخلافة كالقميص الذي يلبسه في الظاهر وهو ليس له اهلا له في الواقع، كمن يلبس لباس الاطباء او القضاة وهو ليس منهم)،

وَإنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى (وهو تشبيه لنفسه بانه كالمحور الذي تدور حوله الرحى التي تطحن الحبوب عند دورانها حول محور ثابت، اي انه يمثل الاساس الذي تدور حوله الامور لتاتي بمحصولها النافع للناس)،

يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إلَيَّ الطَّيْرُ (وهو تشبيه لعلو مقامه ومنزلته في الدين فهو كالجبل المرتفع الذي لا يرتفع اليه الطير وينحدر عنه سيل الماء فلا يصل الناس الى منزلته الربانية)،

فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثُوْباً (اي ارخيت على نفسي ثوبا اخر بمعنى اخترت لنفسي موقعا اخر غير الخلافة)،

وَطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحا (اي ملت عنها)، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَد جَذَّاءَ (وهو تشبيه لحاله بعد سلب الخلافة منه بالباطل وكأنه يصول بيد جذاء اي مقطوعة تشبيه لكثرة المخالفين له وقلة الواعين لما سيحدث للدين في المستقبل)،

أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ (اي اصبر على ظلمة شديدة ستواجه الأمة)،

يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى (اي ألزم وأكثر جدوى)،

فَصَبَرْتُ وَفي الْعَيْنِ قَذَىً (والقذى هو ما يدخل في العين من ذرات التراب وغيرها)،

وَفي الْحَلْقِ شَجاً (والشّجَا هو ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه وهو تشبيه لعظيم صبره وألمه )،

أَرَى تُرَاثي (اي ميراثي من الله ورسوله) نَهْباً، حَتَّى مَضَى الاْوَّلُ لِسَبِيلِهِ، فَأَدْلَى بِهَا إلَى فُلان بَعدَهُ (اي القى بها الى عمر ابن الخَطَّابِ من بعد وفاته)،

فَيَا عَجَباً ! بَيْنَما هُوَ يَسْتَقِيلُها في حَيَاتِهِ (اي يطلب اعفائه منها)،

إذْ عَقَدَهَا لآخر بَعْدَ وَفَاتِهِ! لَشَدَّ مَا تَشَطَّرَا ضَرْعَيْهَا (تَشَطّرَا ضَرْعَيْها اي اقتسماه فأخذ كلٌ منهما شطراً)،

فَصَيَّرَهَا في حَوْزَة خَشْنَاءَ يَغْلُظُ كَلْمُهَا (اي صيّر الخلافة من بعد وفاة الخليفة الاول في مجال ضيق خشن يشتد كَلْمُها اي جرحها، بمعنى ان الخشونة التي كان يستعمله الخليفة الثاني في اقواله وافعاله كانت تجرح القلب جرحاً غليظاً)،

وَيَخْشُنُ مَسُّهَ (اي تترك اثرا في توضيح ما حدث)

وَيَكْثُرُ الْعِثَارُ فِيهَا (اي السقوط والكَبْوَةُ في تنفيذها)،

وَالاْعْتِذَارُ مِنْهَا، فَصَاحِبُهَا كَرَاكِبِ الصَّعْبَةِ ( الصّعْبة من الإبل هي ما ليست بِذَلُول والتي يمكن ركوبها بسهولة، فالصعبة هي التي ترفض ركوبها والسير فيما يريده الراكب)،

إنْ أَشْنَقَ لَهَا خرم (اي ان مسك زمامها بقوة ثقب انف البعير، أشْنَقَ البعير اي كفه بزمامه بقوة فينقطع الحبل المربوط بها)،

وَإنْ أَسْلَسَ الزمام لها، تَقَحَّمَ ( اي ان ارخى الزمام للناقة لتسير به حيث تشاء فانه يلقي بنفسه في الهلكة)،

فَمُنِيَ النَّاسُ (اي ابتلوا واصيبوا) ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ  بِخَبْط (اي سير على غير هدى)،

وَشِمَاس وَتَلَوُّن وَاعْتِرَاض (والشماس هو اباء الفرس عن ركوب ظهره والسير على غير الخط المراد له)،

فَصَبَرْتُ عَلَى طُولِ الْمُدَّةِ، وَشِدَّةِ الْمحْنَةِ، حَتَّى إذَا مَضَى لِسَبِيلِهِ جَعَلَهَا في جَمَاعَة زَعَمَ أَنِّي أَحَدُهُمْ، فَيَا للهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاْوَّلِ مِنْهُمْ حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلَى هـذِهِ النَّظَائِرِ؟ (والنَظِير هو اُلمشابِه لبعضهم بعضاً فلم يكن الخليفة الاول ولا الثاني نظيرا للإمام في منزلته ومقامه عند الله وعند الناس)،

لكِنِّي أَسْفَفْتُ إِذْ أَسَفُّوا (أسَفّ الطائر : دنا من الأرض) ،

وَطِرْتُ إِذْ طَارُوا، فَصَغَى رَجُلٌ مِنْهُمْ لِضِغْنِهِ (اي مال الى حقده)،

وَمَالَ الآخر لِصِهْرِهِ، مَعَ هَن وَهَن ( أي مع أغراض أخرى أكره ذكرها)،

إلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ الْقَوْمِ نَافِجاً حِضْنَيْهِ بَيْنَ نَثِيلِهِ ومُعتَٓلَفِهِ، (وهي عبارة تقال للمتكبر ومعناها في الاصل هي: نافجاً حِضْنَيْه : اي رافعاً لحضنيه، والحِضْن هو ما بين الإبط والكَشْح، والنّثِيل هو الرّوْثُ وقذَر الدوابّ، واُلمعْتَلَفُ هو موضع العلف )،

وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضِمُونَ مَالَ الله (اي يأكلون مال الله بلا عدل)

خَضْمَ الإبل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ (اي كما تأكل الابل النبتة الخضراء من دون حساب)،

إلَى أَنِ انْتَكَثَ فَتْلُهُ (اي انتقض عليه فعله )،

وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ (اي تمم قتله)،

وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ (كبت به من كبابة الجواد او عثرته، والبطنة هي التخمة الحاصلة من البطر والاشر)

 

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com