نور من نهج البلاغة    56
 

عن امير المؤمنين ع قال:

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى (وهو ما يتمثل بشهوات الدنيا ومطامعها التي بيّنها الله في كتابه بقوله: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ {وهو ما يمثل السيارات الفاخرة ووسائل النقل الحديثة} وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)

وَطُولُ الاْمَلِ (وهو استفساح الاجل والتسويف بالعمل وذلك لاستبعاد قرب الموت رغم مشاهدة من ماتوا فجأة ومن دون سبب ظاهر)،

فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ (حيث تميل النفس الى الدنيا وزينتها والى ايثار الباطل على الحق)،

وَأَمَّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَة (حيث يتصور الانسان وكأن الدنيا باقية ولا نهاية لها فيغفل عن الموت الاستعداد للأخرة من تجنب الحرام والعمل للباقيات الصالحات).

أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ (اي مضت الايام فيها مسرعة {حذّاء بتشديد الذال} فاذا بالسنوات والعقود والاحقاب تمضي كأنها أيام وساعات، فهي تذكّر بحال من يبعث بعد الموت من القبور كما اخبر الله في كتابه الكريم بقوله: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ، قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ؟ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)

فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا {اي الدنيا}' إِلاَّ صُبَابَة كَصُبَابَةِ الاْنَاءِ (اي ان ما تبقى من الدنيا هو قليل بالنسبة لما مضى منه، والصبابة هي البقية من الماء او اللبن في الاناء)،

اصْطَبَّهَا صَابُّهَا (اي أبقاها مبقيها، أو تركها تاركها وهو ما يفعله الناس احيانا عند الشرب او الاكل)،

أَلاَ وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ (فعند حلول الموت وانكشاف الغيب للميت بمشاهدة ملك الموت يعلم عندها حقيقة ما ذكره الله في كتابه وما تحدثت به حججه)،

وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا (اي الدنيا والاخرة) بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الاْخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا (بمعنى ينبغي ان يكون الغالب على المؤمن العمل للأخرة ليكون من ابنائها والساعين لها)،

فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ. (فقد شاء الله ان تكون سنّته في الحساب والجزاء النهائي هو عند حلول الاخرة او عند حدوث الموت وهو اول منازل الاخرة، فمن ينتقل اليها ينتهي عمله وزاده من الدنيا ويبدأ الحساب الاخروي، (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ))

 

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com