نور من نهج البلاغة    46
 

عن امير المؤمنين ع قال:

إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَى اللهِ تعالى رَجُلانِ، رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ (اي تركه ونفسه من غير تسديد وعناية منه)

فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ (اي عادل عن جادته او منحرف عن صراطه المستقيم (وقد سبق الحديث عنه)

وَرَجُلٌ قَمَشَ جَهْلاً (قَمَشَ جهلاً: جمعه، وأصل القَمْش: جمع المتفرق اي الموجود في اماكن متفرقة من خلط للآيات والروايات وكلام اهل الفلسفة وغير ذلك)،

مُوضِعٌ في جُهَّالِ الاْمَّةِ (اي مسرع بالحديث فيما يعتقد به بالتغرير للجهلاء من الامة او الذين لا يعلمون الحقائق)،

غادر في أَغْبَاشِ الفِتْنَةِ (اي يغدر بهم بإلقائهم في ظلمات الفتنة، أغباش الليل هو بقايا ظلمته)،

عِم بِمَا في عَقْدِ الهُدْنَةِ (عَم هو وصف من العمى الذي هو فيه من الفكر او الجهل، اذ هو جاهل للعقد او الاتفاق على الصلح والمسالمة بين الناس)،

قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالمِاً وَلَيْسَ بِهِ (فمن المؤسف ان اصحاب البدع وامثالهم يسموهم الجهلاء علماء وليس لهم من العلم شيء) ،

بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْع مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ (اي سارع للإكثار من جمع هذه المضلات من البدع التي لا فائدة منها)،

حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاء آجِن (اي فاسد من الافكار كمن يشرب من الماء الفاسد الذي تغير طعمه ولونه ورائحته)،

وَأكْثَر مِن غَيْرِ طَائِل (اي اكثر من جمع ما لا جدوى منه)،

جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا التَبَسَ عَلَى غيْرِهِ (اي جلس بين الناس في مقام التعليم والحكم لما اشتبه عليهم من القضايا الافكار والمفاهيم)،

فَإِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى المُبْهَمَاتِ (اي القضايا الغير واضحة والتي يصعب على الناس فهمها)،

هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثّاً مِنْ رَأْيِهِ (اي كلاما زائدا لا فائدة منه وليس جديدا بل هو لغو ووهم من الكلام البالي الذي يعبر عن رايه الذاتي وتصوراته الخاصة)،

ثُمَّ قَطَعَ بِهِ، (اي اعتبر ان فكره ورايه هو الصحيح)،

فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنْكَبُوتِ، (اي هو في ايضاح ما التبس من الشبهات واهن الفكر والدليل)

لاَ يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، إنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ.

جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهلات (خَبّاط: صيغة المبالغة من خبط الامور إذا سار فيها على غير هدى، عَاش (اي خابط في الظلام))،

رَكَّابُ عَشَوَات (اي كمن يسير في الظلمات من دون نور او بينة)،

لَمْ يَعَضَّ عَلَى العِلْمِ بِضِرْس قَاطِع، يُذرِي الرِّوَايَاتِ إذْراءَ الرِّيحِ الهَشِيمَ (اي يستعمل الروايات في غير محلها كما تذري الرياح ما يبس من النبات وتهشم)،

لاَ مَلِيٌ وَاللهِ ـ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ، وَلاَ هُوَ أَهْلٌ لِما فُوّضَ إليه، (المَلِيّ بالشيء: القَيّمُ به الذي يجيد القيام بالأمر فهو ليس اهل لإيضاح الحقائق ولما فوض اليه من الاحكام)،

لاَ يَحْسَبُ العِلْمَ في شيْء مِمَّا أَنْكَرَهُ، وَلاَ يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ منه مَذْهَباً لِغَيْرهِ، (فهو مغرور بعقله وفهمه يحسب ان العلم والفكر قد اجتمع عنده)،

وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، (فان لم يعرف بعض حقائق الشرع لم يصرح للناس بذلك خشية من انكشاف حقيقة امره)،

 تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ، الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَوَارِيثُ

نهج البلاغة خطبة ١٧

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com