نور من نهج البلاغة    40
 

عن امير المؤمنين ع في التحذير من زوال الشباب وانتهاء العمر قال:

فَهَلْ يَنْتَظِرُ أَهْلُ بَضَاضَةِ الشَّبَابِ (اي الشباب الذين يتمتعون بلين الجلد ونعومته ورقته) إِلاَّ حَوَانِيَ الْهَرَمِ؟ (اي ما يحمله الهرم من تحدب الظهر وتغير المعالم الشبابية ليحل محلها تغير الجلد والعضلات والملامح والهيئات وحركات اجزاء الانسان وما في ذلك من تغيرات باطنية تبين قرب نهاية الانسان وبلوغ مدته من العمر في الدنيا)،

وَأَهْلُ غَضَارَةِ الصِّحَّةِ إِلاَّ نَوَازِلَ السَّقَمِ؟ (وهل ينتظر الذين يتمتعون بعافيتهم اليوم ان يكون لهم هذا الحال دوما ولا يفاجئهم المرض من حيث لا يحتسبون ؟)،

 وَأَهْلُ مُدَّةِ الْبَقَاءِ إِلاَّ آوِنَةَ الْفَنَاءِ؟ (وهل ينتظر الذين مد الله في اعمارهم فعاشوا زماننا ان لا يأتيهم الموت وان يبقى الحال كذلك؟)،

مَعَ قُرْبِ الزِّيَالِ (اي قرب مفارقتهم للدنيا، فعمر الانسان انفاس معدودة)،

وَأُزُوفِ الانتِقَالِ (اي قرب الموت ودنو وقت الانتقال الى الحياة الاخرى وما فيه من عناء والم؟)،

وَعَلَزِ الْقَلَقِ (وهو ما يصيب المحتضر من القلق والهلع الذي يصيبه عند الموت ومفارقة الدنيا)،

وَأَلَمِ الْمَضَضِ (وهو شدة الحزن في القلب لما فرط من الانسان في ضياع عمره وسعيه)،

وَغُصَصِ الْجَرَضِ (اي غصص بلع الريق ما يصيب المحتضر عند ساعة الاحتضار)،

وَتَلَفُّتِ الاِسْتِغَاثَةِ بِنُصْرَةِ الْحَفَدَةِ وَالاْقْرِبَاءِ، وَالاْعِزَّةِ وَالْقُرَنَاءِ (اي كثرة المحتضر من النظر الى احبته والقريبين منه فلا يستطيعون اغاثته)،

فَهَلْ دَفَعَتِ الاْقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟ (فهل نفعه الاقارب والاحباب او نفعه كثرة الباكين والناحبين على موته؟)،

وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الاْمُوَاتِ (اي تركه احبائه في المقبرة بقبره وحيدا وغادروا قبره ليبقى في وحدته)، رَهِيناً (اي حبيسا بما عمله في حياته)،

وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً (فليس له من الدنيا غير كفنه وما قدمه من الاعمال)،

قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ (اي جذبت جلدته فقطعتها)،

وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ (وهو ما ينهك البدن او يبليه بعد موته فأزالت عنه شبابه وجماله وقوته)،

وَعَفَت الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ (اي محت الرياح والعواصف وتغير الزمان كل اثاره)،

ومحا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ (فمحا تعاقب الليل والنهار ومرور الايام والازمان كل معالمه الجسدية والشخصية)،

وَصَارَتِ الاْجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَ (اي اصبحت الاجساد شاحبة بعد الموت وكأن الاجساد كانت مليئة بالدم ثم ترشح عنها بعد الموت فأصبحت شاحبة )،

وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا (اي اصبحت العظام نخرة بالية بعد الموت)،

وَالاْرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا (والاعْباء هي الاثقال والمراد بها اوزار الذنوب التي تبقى الروح مرتهنة بها)،

مُوقِنَةً بَغَيْبِ أَنْبَائِهَا (اي موقنة بان ستحاسب عنها في القيامة وستخبر عن ذنوبها ذنبا ذنبا)،

لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا (اي ليس لها الفرصة لتقديم الصالح من الاعمال في الاخرة)،

وَلاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا (أي لا يُطْلَبُ منها تقديم العُتْبى او الاعتذار عن العمل القبيح في حساب الاخرة)

أَوَلَسْتُمْ أَبْنَاءَ الْقَوْمِ وَالابَاءَ، وَإِخْوَانَهُمْ وَالاْقْرِبَاءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ،

وَتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ (اي طريقتهم)، وَتَطَؤُونَ جَادَّتَهُمْ (اي تسيرون على منوالهم من دون انحراف عنهم)،

فَالْقُلُوبُ قَاسِيَةٌ عَنْ حَظِّهَا (اي مغلقة عما فيه سعادتها الاخروية)،

لاَهِيَةٌ عَنْ رُشْدِهَا ( اي غافلة عن طريق صلاحها)،

سَالِكَةٌ في غَيْرِ مِضْمارِهَا (اي سالكة غير الطريق الذي امرها الله به)،

كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا (أي كأن المقصود بكتاب الله واقوال حججه غيركم)،

وَكَأَنَّ الرُّشْدَ في إحْرَازِ دُنْيَاهَا (اي في الاستغراق في الدنيا والغفلة عن الاخرة ).

خطبة ٨٢ نهج البلاغة

 

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com