نور من نهج البلاغة   3
 

عن امير المؤمنين ع قال في حقيقة الدنيا:

[أَيُّهَا النَّاسُ] انْظُرُوا إِلى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا، الصَّادِفِينَ عَنْهَا (اي المعرضين عنها الذين لا يعيرون لها اهمية)،

فَإِنَّهَا وَاللهِ عَمَّا قَلِيل تُزِيلُ الثَّاوِيَ (اي المقيم) السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الاْمِنَ (اي ليس لهما امان في كل حالاتها فكل شيء فيها الى فناء)،

لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مَنْهَا فَأَدْبَرَ (اي لا يرجع ما مضى من الدنيا على ما كان عليه، فلا الاموات يرجعون، ولا مضى من العمر يرجع الى ما كان عليه من الحال، ولا الزمن يعود الى الخلف، بل كل شيء في حركة وتغير وتبدل وتحول، سواء في حركة الارض في فضائها التي هي تجري فيه او في حركة الانسان عليها وما ينتج من ذلك من التغيرات الاجتماعية والسياسية والحياتية التي تجري على الدنيا)،

وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آت مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ (فكل شيء في تغير وتحول لا يعلمه الا الخالق).

سُرُورُهَا مَشُوبٌ (اي مخلوط) بِالْحُزْنِ (فلا تدوم فيها حالة ثابتة لا في السرور ولا القوة ولا في القدرة)،

وَجَلَدُ الرِّجَالِ (اي صلابتهم وقوتهم) فَيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهْنِ، فَلا يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا (فلو تأمل المرء فيما يأخذه من الدنيا فلا يجد الا الكفن وشق في الارض على قدر طوله يودع فيه، فهو لا يأخذ من الدنيا في الحقيقة الا عمله).

رَحِمَ اللهُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ (اي تفكر في حقيقة الدنيا فاخذ العبرة من احداثها ووقائعها)،

واعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ (اي تكون العبرة سببا للبصيرة فيما يعمل به في الحياة قبل حلول الموت)،

فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدٌّنْيَا عَنْ قَلِيل لَمْ يَكُنْ، وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الاْخِرَةِ عَمَّا قَلَيل لَمْ يَزَلْ (فكأن الدنيا لم تكن للفترة القصيرة التي يقضيها الانسان فيها وكأن الاخرة هي الباقية لطول البقاء فيها)،

وَكُلُّ مَعْدُود مُنْقَض (فكل ما يمكن عده هو الى فناء)، وَكُلُّ مُتَوَقَّع آت، وَكُلُّ آت قَرِيبٌ دَان.

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com