نور من نهج البلاغة    34

 

الدنيا في وصف امير المؤمنين ع :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرِةٌ، (اي انها تحتفظ برونقها الزاهر الجميل ولا تيبس كما تيبس النباتات التي توشك ان تموت)،

حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ، (فمن طبيعة الدنيا ان الشهوات المادية تحيطها من كل الجوانب وتشوق الناس لها)،

وَرَاقَتْ بِالْقَلِيلِ (اي ان لها رونقها وجاذبيتها ولو بتحصيل القليل منها)،

وَتَحَلَّتْ بِالاْمَالِ، (فالامل بتحصيلها ونيل المقاصد فيها يكسبها حلاوة)،

وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ (اي تغر الناس بزينتها وامالها)،

لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا (اي لا دوام لسرورها ونعمتها)،

وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا (فلا تؤتمن الاحوال فيها فالأحداث المفجعة فيها تأتي بلا مقدمات)،

غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ (فهي تغر الانسان بالشهوات وتضره بعواقب الامور فيها)،

حَائِلَةٌ (اي متغيرة)، زَائِلَةٌ (اي لا دوام لها)، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ (اي فانية هالكة)، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ (اي مهلكة)،

لاَ تَعْدُوـ إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا والرضى بِهَا ـ (اي في حالة تحقيق امال ورغبات الراضين بها)

أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى: (كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماَءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِراً)، (والهشيم هو النبت اليابس المكسر الذي تحمله الريح بمعنى انها حتى لو تحققت فيها امال البعض فإنها سرعان ما تذبل وتزول زهرتها كما هو الحال مع بلوغ النبات ذروته ثم يصفر وييبس ويكون حطاما تذروه الرياح)،

ولَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَة (اي في سرور)

إِلاَّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً (العبرة الدمعة قبل ان تفيض، بمعنى انها متبدلة الاحوال فكما أضحكته الانسان في فترة فإنها ستبكيه في اخرى)،

وَلَمْ يَلْقَ منْ سَرَّائِهَا بَطْناً (كناية عن اقبال الدنيا)

إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً (كناية عن ادبارها واعراضها)،

وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاء (الطل وهو المطر الخفيف، والديمة وهو المطر الذي يدوم في سكون بلا رعد ولا برق مما يؤدي الى الخير والرخاء او السعة)،

إِلاَّ هَتَنَتْ (اي انصبت) عَلَيهِ مُزْنَةُ بَلاَء (وهو المطر الشديد الذي فيه العواصف والرعد والبرق والصواعق مما يؤدي الى الكوارث والمراد هو ان رخاء الدنيا وخيرها لا يدوم فسرعان ما يأتي البلاء من حيث يحتسب الانسان او لا يحتسب)،

وَحَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَهُ مُنْتَصِرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَهُ مُتَنَكِّرَةً، (اي ان الدنيا لا تدوم على حال واحد فاذا كانت بجانبه في ساعة فإنها تكون عكس ذلك في وقت اخر)،

وَإِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ وَاحْلَوْلَى، أَمَرَّ مِنْهَا جَانِبٌ فَأَوْبَى (اي صار كثير الوباء، وهو ما يعني ان خيرها ومسراتها وافراحها لا تدوم فسرعان ما يحل منها الاذى والبلاء بعد الراحة والسرور)،

لاَ يَنَالُ امْرُؤٌ مِنْ غَضَارَتِهَا (اي نعمها وسعتها) رَغَباً (اي ما يرغب فيه من الامور)، إِلاَّ أَرْهَقَتْه (اي اتعبته والحقت به)

مِنْ نَوَائِبِهَا تَعَباً وَلاَ يُمْسِي مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْن، إِلاَّ أَصْبَحَ عَلَى قَوَادِمِ خَوْف (والقوادم هي الريش الذي في مقدمة الطائر والذي يستشعر به الخوف)،

غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا (اي تغر الانسان وتخدعه بالأماني الكاذبة)،

فَانِيَةٌ فَان مَنْ عَلَيْهَا (اي ليس لها دوام حيث يفنى ويزول كل من عليها)،

لاَ خَيْرَ في شَيْء مِنْ أَزْوَادِهَا إِلاَّ التَّقْوَى (فلا ينفع منها شيء في الاخرة الا التقوى)،

مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُؤْمِنُهُ (اي من اقل منها مما يحوزه في الدنيا استكثر من فرص امنه وفوزه في الحياة الاخرة)،

وَمَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يوبِقُهُ (اي استكثر مما يهلكه في الاخرة بطول الحساب والكتاب)،

وَزَالَ عَمَّا قَلِيل عَنْهُ (اضافة الى زوال ملكه وما عنده في القريب بحلول الموت).

كُمْ مِنْ وَاثِق بِهَا قَدْ فَجَعَتْهُ؟ وَذِي طُمَأْنِينَة إِلَيْهَا قَدْ صَرَعَتْهُ؟ (فطبيعة الدنيا انها لا تدوم على حال واحد)،

وَذِي أُبَّهَة (اي عظمة) قَدْ جَعَلَتْهُ حَقِيراً، وَذِي نَخْوَة (اي افتخار) قَدْ رَدَّتْهُ ذَلِيلاً، (فهذا هو حال الدنيا من تقلب احوالها).

سُلْطَانُهَا دُوَّلٌ (اي متحول ومتنقل من شخص لآخر ومن حال الى حال)،

وَعَيْشُهَا رَنِقٌ (اي كَدِر)،

وَعَذْبُهَا أُجَاجٌ (اي ان اللذيذ فيها كالماء العذب هو في حقيقتها شديد الملوحة بعواقبه وتغيراته)،

وَحُلْوُهَا صَبِرٌ (فالحلو في الدنيا هو في حقيقته مر كالصبر وهو عُصارة الشجر المرّ)،

وَغِذَاؤُهَا سِمَامٌ (وغذائها او اقواتها هو في حقيقته سمام، اي جمع سم وهو اذا ما خالط المزاج افسده وينتهي بموت صاحبه)،

وَأَسْبَابُهَا رِمَامٌ (رِمام: جمع رُمّة بالضم للراء: وهي القطعة البالية من الحبل بمعنى ان الوسائل التي يعتمد عليها الانسان في الدنيا ليس لها قوة ولا امان )،

حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْت (اي ان الحي في الدنيا هو في كل لحظة معرض للموت والفناء)،

وَصَحِيحُهَا بَعَرَضِ سُقْم (والسالم والمعافى فيها هو في كل وقت في معرض المرض وزوال العافية)،

مُلْكُهَا مَسْلُوبٌ (اي لا دوام للملك فيها)،

وَعَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ (ولا دوام لحال الانسان فقد يتبدل حاله وتزول اسباب قوته وعزته)،

وَمَوْفُورُهَا مَنْكُوبٌ (اي من امتلك في الدنيا باكثر من حاجته فانه يصاب بها بالنكبة او المصيبة لعدم دوام الحال)

وَجَارُهَا مَحْرُوبٌ (اي من جاورها لحقت له به الكوارث).

أَلَسْتُمْ فِي مَسَاكِنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَطْوَلَ أَعْمَاراً؟ وَأَبْقَى آثَار؟ وَأَبْعَدَ آمَالاً؟، وَأَعَدَّ عَدِيداً (اي اكثر عدة وعددا)،

وَأَكْثَفَ جُنُوداً، تَعَبَّدُوا لِلدُّنْيَا أَيَّ تَعَبُّد، وَآثَرُوهَا أَيَّ إِيثَار،

ثُمَّ ظَعَفُوا (اي رحلوا) عَنْهَا بَغَيْرِ زَاد مُبَلِّغ (اي الزاد المبلغ بهم الى نهاية سفرهم في امن وامان )،

وَلاَ ظَهْر قَاطِع (اي الراحلة القوية التي تقطع بهم الطريق الى مقصدهم من دون ان يصيبها الموت)

فَهَلْ بَلَغَكُمْ أَنَّ الدُّنْيَا سَخَتْ لَهُمْ نَفْساً بِفِدْيَة (اي هل سمعتم ان الدنيا قدمت لهم الفدية لحمايتهم من نزول الموت؟)

أَوْ أَعَانَتْهُمْ بِمَعُونَة؟ أَوْ أَحْسَنَتْ لَهُمْ صُحْبَةً؟ بَلْ أَرْهَقَتْهُمْ بَالْفَوَادِحِ (اي المصائب الثقيلة)،

وَأوْهَنَتْهُمْ بِالْقَوَارِعِ (اي المحن والدواهي)،

وَضَعْضَعَتْهُمْ (اي زعزعتهم وارهقتهم واثقلت عليهم) بِالنَّوَائِبِ،

وَعَفَّرَتْهُمْ لِلْمَنَاخِر َ(اي غمرتهم بالتراب الى مناخرهم بمعنى غمرهم الموت واصبحوا تحت التراب)،

وَوَطِئَتْهُمْ بَالْمَنَاسِمِ (جمع مِنْسَمْ، وهو مقدّم خُفّ البعير، أو الخُفّ نفسه، ( بمعنى اصبحوا جزء من تراب الارض كحال الاموات السابقين) ،

وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ (رَيْبَ الْمَنُونِ)،  

فَقَدْ رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا (اي خضع لها)،

وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ إِلَيْهَا (اي ركن اليها)،

حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لَفِرَاقِ الاْبَدِ.(اي رحلوا عنها الى الاخرة وفارقوها الى الابد)،

هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ السَّغَبَ؟ (اي الجوع او الزاد الذي لا ينفع الانسان في اخرته)،

أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ الضَّنْكَ (اي الضيق) ؟

أوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ الظُّلْمَةَ؟ (بمعنى لم تنفعهم في الظلمة بما ينير لهم طريقهم نحو الاخرة الامنة)؟

أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ النَّدَامَةَ؟

أَفَهذِهِ تُؤْثِرُونَ؟ أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ؟ أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟

فَبِئْسَتِ الدَّارُ (اي دار الدنيا) لَمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا (اي يخشى من مزالقها)،

وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَل مِنْهَا! (اي ان الغافل عن حقيقة الدنيا هو غافل عن اخرته)

فَاعْلَمُوا ـ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ـ بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَظَاعِنُونَ عَنْهَا (اي لابد من الموت والانتقال منها الى الدار الأخرة)،

وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، (وهو حال الطواغيت والجبابرة)،

حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، ( لان الراكب من يكون مختاراً، وله التصرّف في مركوبه بينما هم يحملون على غير ارادتهم للدفن في المقابر {ركبانا جمع راكب})،

وَأُنْزِلُوا الاْجْدَاثَ ( اي القبور)،

فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً (لان الضيف له الخيرة في ما يفعله)،

وَجُعِلَ لَهُمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ (الصّفِيح: وَجْهُ كل شيء عريض، والمراد به وجه الارض، واجنان جمع جنن وهو القبر بمعنى ان الميت يوضع على وجه الارض في قبره)،

وَمِنَ التُّرَابِ أَكْفَانٌ (حيث يهال عليه التراب بعد وضعه في حفرته)،

وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ (الرفات هي العظام المندقة المحطومة حينما يجاور الاموات في المقبرة)،

فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَلاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً (اي لا يستطيعون فعل شيء)،

وَلاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً (فلا يهتمون بالعزاء والبكاء)،

إِنْ جِيدُوا (اي حل بهم المطر) لَمْ يَفْرَحُوا (فالدنيا لم تعد تعني لهم شيئا بع انتقالهم للأخرة)،

وَإِنْ قُحِطُوا لَمْ يَقْنَطُوا (فمهما اصاب الدنيا من شيء لا يعنيهم)،

جَمِيعٌ وَهُمْ آحَادٌ (فترى القبور كثيرة في المقابر الا ان لكل منهم عالمه الخاص)،

وَجِيرَةٌ وَهُمْ أَبْعَادٌ (يجمعهم مكان واحد مع اختلاف اماكنهم وحالاتهم قبل الموت)،

مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ (قريبين من بعظهم في القبور ولكنهم لا يتزاورون)،

وَقَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ، حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ (اي احقادهم وما كان من همومهم السابقة في الدنيا)،

وَجُهَلاءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ، لاَ يُخْشَى فَجْعُهُم وَلاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ (اي ليس لهم ضر ولا نفع بعد موتهم)،

اسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ الاْرْضِ بَطْناً، وَبِالسَّعَةِ ضِيقاً، وَبِالاْهْلِ غُرْبَةً، وَبِالنُّورِ ظُلْمَةً (اي تبدلت بعد موتهم كل حالاتهم التي كانوا عليها في الدنيا)،

فَجَاؤُوهَا كَمَا فَارَقُوهَا (اي لم يأخذوا شيئا منها)،

حُفَاةً عُرَاةً، قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ (اي رحلوا عن الدنيا بأعمالهم فقط ولم يأخذوا اي شيء اخر)

إِلَى الْحَيَاةِ الْدَّائِمَةِ وَالدَّارِ الْبَاقِيَةِ، كَمَا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْق نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com