نور من نهج البلاغة   31

 

عن امير المؤمنين ع قال:

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ، اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الاَمَلِ (اي استفساح الأجل واعتبار الموت بعيدا وقوعه مما يؤدي الى التسويف بالعمل)،

فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ (حيث يعمي الهوى بصيرة المنقاد نحوه ويغلق سمعه وفكره فلا يرى ولا يسمع الا ما تعلّق به قلبه)،

وَأَمَّا طُولُ الاَمَلِ فَيُنْسِي الاْخِرَةَ (اذ ان الدنيا تغلب على قلب المشغول بها فلا تدع له مجالا للإعداد لزاد الاخرة)،
أَلاَ وَإنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ (اي مضت بسرعة وكأنها حلم سرعان ما مضى وانتهى)،

فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الاْنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا (وصبابة الاناء هي البقيّة من الماء واللبن في الاناء المتبقية بعد الشرب بمعنى ان الدنيا قد انتهت ولم يبق منها بقية يعتد بها فما اسرع انقضاء ما يبقى كما انقضى ما مضى)،

أَلاَ وَإِنَّ الاْخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ (فبعد مضي سنوات العمر في الدنيا يكون الانسان في معرض الانتقال الى الاخرة حيث ينكشف له الغيب عند موته فيرى الحقائق التي اخبره الله عنها في كتابه وبلّغت بها انبيائه واوليائه المعصومين)،

وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ (فالدنيا لها ابناء وهم الذين لا يرون غيرها فهي كل امالهم ولها كانت اعمالهم، والاخرة لها ابناء وهم الذين وضعوها نصب اعينهم وعملوا لتحصيل المكانة فيها)،

فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الاْخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ وَلَد سَيُلْحَقُ بأُمِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، (فان مصير الانسان يكون تبعا لما اختاره وسعى اليه من قبل، فالعاملين للدنيا جزائهم هو ما حصلوا عليه من الدنيا ولا ينالون من حسن الجزاء في الاخرة كما في قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ)، اما العاملون للاخرة فان رصيدهم محفوظ في الاخرة اضافة لحسن عاقبة الدنيا كما في قوله تعالى: (فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)،

وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ (فقد شاءت ارادت الله وسننه في خلقه ان يكون الحساب بعد موت الانسان لكي يكون في موضع الامتحان الالهي والذي عليه يترتب محل الانسان ودرجته في الاخرة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ).

التالي

 

محرم الحرام 1432 هجرية - 2010 
huda-n.com